13/03/2020

 

 

يميل
awna1@hotmail.com 

الأخـــــبار


 

مقتطفات من السيرة المضيئة والتاريخ الحافل بالتضيحات للمناضل الكبير علي عبده أحمد تعيه (عبده علي)

==========÷========================

 

ولد المناضل الجسور علي عبده أحمد تعيه الشهير ب "عبده علي" في منطقة شبه جزيرة بوري شمال دنكاليا ورحل عن دنيانا وأسلمت روحه الطاهرة لبارئها صبيحة الجمعة الماضية يوم 06 مارس 2020 وروي جثمانه الثرى  بعد صلاة الظهر في مدينة لوغيا وسط حضور شعبي ورسمي مهيب وذلك بحضور عدد من وزراء حكومة إقليم العفر و الامير احمد احو  وكبار شيوخ الامة والشباب وحشد من احبائه واهله .

وترك الفقيد ثلاثة ابناء (ولدين وبنت )وارملة .
 

يقال أن معادن الناس تعرف في المحن و الشدائد و أشدها نار الكفاح المسلح والنضال بكل أنواعه و خاصة عندما يمتد لهيبهم على مدى خمسون عاما من عمر الإنسان بدون أن يتغير ، هو نفسه و بحماسه و بإصراره و بإمانه وبعزيمته مهما اختلفت الساحة ولمدة خمسون عاما ، أليس هو إذا من أجود و أنفس المعادن ؟ .
 

تميز الثائر علي عبده بالتواضع في حياته والبعد عن الأضواء والإخلاص في العمل للقضايا التي آمن بعدالتها وبالمصابرة على درب النضال رغم أشواكه ووعورته . كان المرحوم مناضلا عنيدا صبورا عتيقا يعشق ساحة النضال . والأهم هو تواضعه وبساطته وعفويته في التعامل مع الناس وميزة جعلته أفضل موصل للأفكار ومتواصل مع المجتمع العفري بكل فئاته العمرية أينما مر وحل . اضافة الى ذلك كان خبيرا في العرف المجتمعي العفري وعاداته وثقافاته مما سهل عليه الاندماج حيثما حل وتحرك في داخله بكل سهولة ويسر ، ولهذا نجده كأنه ابن المنطقة التي يحل بها سواء في إرتريا أو في إثيوبيا او جيبوتي وكأنهم من أهل بيته و قريته . لقد آمن هذا الفقيد المناضل الجسور بوحدة القضية العفرية أينما وجدت وأن هضم حق الأمة و ظلمها لا يقتصر على موقع جغرافي وأنه عابر للحدود المصطنعة و لأنها جسد واحد والعدالة في حقها لا تتجزء . و بالتالي اعتبر أن ساحة النضال لا تقتصر على مسقط رأسه فهو ليس إلا مكان و موقع وركن من أركان وطن الأمة . فكان إيمانه بهذا عميقا كما كان محاورا صبورا بارعا وصاحب حجة في أمور الأمة.
 

(سواحل بر عسولي وبيلول وتلال سيدوحا عيلا وسفوح جبل نبرو و مركبتو وعدي وايسعيتا وضواحيها عرفت بطولاته وجولاته )
 

الفقيد علي عبده أحمد تعيه ، انضم في الستينات إلي الثورة الإرترية ، وسوف نذكر أهم الأحداث التي كانت محور هذا المناضل أو شارك فيها في كل المحطات ابتداء من جنوب دنكاليا إلى اوسا .
 

وفي هذا السياق نذكر منطقة سيدوح عيلا في جنوب دنكاليا التي عرفت دورا مضيئا لعبه هذا المناضل في مرحلة حساسة من المراحل التي مرت بها الثورة الإرترية و خاصة عند ما تم تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير اريتريا في هذه المنطقة وبمؤتمر عرف بهذا الاسم وذلك في عام 1970. دون الدخول في تفاصيل الأزمات المعقدة التي مرت بها الثورة في نهاية الستينات من القرن الماضي والتي في الواقع لا تهمنا كثيرا في هذا المقام، كان لا بد من نقل المئات من المقاتلين المنشقين من الجبهة الأم و الموجودون في السودان وفي عدن إلى سواحل جنوب دنكاليا بحرا وثم إلى الموقع التي تتمركز فيه الخلية العفرية الموالية لثورة الإرترية. وكان لا بد من إيجاد آلية أكيدة وسريعة وآمنة لنقلهم عبر البحر و ثم عبر الصحراء. لم يكن هناك أفضل من الكوادر العفرية الموجودة في الثورة و محيطها، و التي في الواقع لم تكن على علم بما فيه الكفاية فيما يدور داخل جبهة التحرير التي كانت دنكاليا بعيدة عن محور اهتمام قيادتها و للبعد الجغرافي لجنوب دنكاليا من مركز أنشطة الجبهة في العمق الإرتري أيضا كان له دور مؤثر. فالعفر كانوا على استعداد ليلعبوا دورهم الوطني فتكفلوا بعملية النقل بحرا وثم برا ، وتماشيا مع الرغبة العفرية القائد الشبل عبده علي، أسد الصحراء بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، كان على رأس من نقلوا هؤلاء المقاتلين من ساحل البحر عبر الصحراء إلى منطقة سيدوحا عيلا . عملية كانت بداية دوره الصعب الذي قام به هذا المناضل العنيد ، ليس فقط لنقل المقاتلين بل أيضا لتأمين نقل أطنان من السلاح والعتاد والادوية والموؤن الضرورية لإنشاء منطقة قتالية جديدة في جنوب دنكاليا . والأهم من ذلك هو ميلاد فصيل إرتري مقاتل على غفلة من أهل المنطقة و قيادة الثورة في الجزء الشمالي من إرتريا.
 

عموما لم يكن هذا بالأمر السهل لوجستيا مع الإمكانات المتاحة على أرض الواقع ، ولكن بفضل مصابرة هذا القائد الفذ وحنكته والذي كان على مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه و رفاقه فكان عصب الحياة والحبل السري لتلك الحركة الوليدة آنذاك في المنطقة الصعبة من كل النواحي .
 

عندما اكتشفت الحكومة الإثيوبية بأن هناك تواجد ونشاط لخلية في المنطقة مكونة من عناصر عفرية شابة موالية للثورة و خاصة في شرق جبل نبرو وموري و سيدوحا عيلا و تزامن تحركات عبر البحر في السودان و عدن لتقويتها ، حركت الحكومة مرورا بمدينة عصب فرقة من أكثر قواتها تأهيلا وحرفية قتالية متميزة من حرس الملكي (كبر زبنية ) وذلك للقضاء على النواة الجديدة المحتملة لثورة التي خلت منها الإقليم فعليا،
 

و للحد من هذا التحرك الجديد للجيش الأثيوبي ، كلف عبده علي مع عناصر من أول مجموعة عبرت البحر الأحمر جيدة التدريب لذهاب لضواحي مدينة عصب لتهديد ولضرب القاعدة الخلفية للعدو وكانت من اصعب المهمات . وهكذا كان عبده علي، رجل المهمات الصعبة والخاصة ، ويعتير من بين المجموعة التي أطلقت أول رصاصة في العهد الجديد للجبهة الإرترية في منطقة دنكاليا. هذا واستمر عبده علي بعطائه في تأمين احتياجات القوات التي كثر عددها وتعاظمت طلباتها بعد معركة سيدوحاعيلا الشهيرة التي واجهت فيها مجموعة من أشبال العفر في منطقة موري لمدة ثلاثة أيام أكبر قوة عسكرية حركتها اثيوبيا في ذلك الوقت ومع دعم من الطيران التي لم تكن شهدتها المنطقة قبل تلك المعركة الشهيرة و التي يجب أن تكتب في تاريخ الثورة الإرترية بأحرف من ذهب ، ملحمة كان فيها 31 شبل عفري في مواجهة قوة عسكرية عاتية برا و جوا.
 

وتواصلت بطولات المناضل عبده علي و رفاقه ، عندما لاحظوا انحراف بعض عناصر الجبهة عن الخط الوطني الارتري الشامل لكل القوميات والضامن لحقوقها، انحازوا لقوميتهم رافضين تهميش منطقتهم و إهمال الدور الذي لعبوه في تكوين الفصيل الجديد مستنكرين مثل هذا السلوك غير عادل .
 

وفي منتصف عام 1975 عندما حاك النظام الجديد في أثيوبيا، الدرقي، مؤامرة للقضاء علي سلطنة أوسا والسعي لاعتقال الزعيم العفري المرحوم السلطان علي مرح حنفري ، تداعى الشباب العفري من كل حدب و صوب لدعم أشقائهم في سلطنة أوسا والدفاع عن الكيان الذي تميز بالاستقلالية في الإدارة الذاتية لشؤونه السياسية، الاقتصادية والأمنية ، و كان المرحوم عبده علي بين أول من لبوا النداء القومي وكان قائدا لمجموعة هاجمت موقع تمركز القوة المعدة للهجوم على قيادة السلطنة العفرية مما أربك خطة قوات الدرقي التي عرفت بانكشاف نواياها الخبيثة ضد الشعب العفري الأعزل ، عملية لعبت دورا كبيرا في تأمين إخراج السلطان، فكانت معركة أيسعيتا الطاحنة بين قوتين غير متكافئتين ، جيش نظامي مدجج بالدبابات و الآليات المدرعة وشعب أعزل مسلح فقط بسلاح أبيض أو ناري عفا عليه الزمن . وهنا كان عبده علي بين أول من أطلقوا رصاصة الدفاع عن الوطن والعرض و الشرف و الكرامة و القيادة في أيسعيتا .
 

هكذا كان عبده علي من النواة الأولى التي شكلت منها قوات جبهة تحرير العفر بقيادة الأمير حنفري علي مرح آنذاك والسلطان حاليا ، و كعادته تكفل بتأمين جانب الإمداد والتموين ويظهر أنه كان يؤمن بالمقولة التي تقول " أن الجيوش تتحرك أو تزحف على بطنها" بمعنى لابد أن تتوفر الغذاء للجيش، و إن كان لا ينطبق ذلك كثيرا علي الثوار فهو كثيرا ما كان يسعى دائما لتأمين الحد الادنى للمقاتلين ليكونوا دائما على أهبة الاستعداد للمواجهة.
 

و عندما حدث خلاف في داخل جبهة تحرير العفر حول أسلوب العمل كان علي عبده يتميز بروح التهدئة وكان يحاول أن يكون ايجابيا في كل المواقف ويسعى لعدم قطع حبل الوصل مع الطرف الأخر دون ان يحيد عن مبدئه في القيادة الجماعية للعمل الثوري. عندما زادت الضغوطات من كل الأطراف على الفصيل الذي ينتمي إليه ويقوده مع رفاقه وخاصة من الجانب الإرتري بعد اغتيال الشهيد علي محمد إبراهيم عضو المجلس الأعلى لجبهة تحرير ارتريا ، ورفض علي عبده وفصيله الخضوع لتلك الضغوطات المتعددة الأطراف وأطلقوا على أنفسهم دكوحنا (رافضي الخنوع والخضوع Xukko Cina)  في تلك الفترة الحرجة من تاريخ العفر في أثيوبيا كان علي عبده القائد المحنك والأب الروحي الصامد لشباب دكو حينا ، الحركة أو المجموعة التي كانت نواتها من أشبال إبا عندا ( Idgiloh Iba qunxa) ، الذين لعبوا دورا كبيرا وساهموا في تغيير المعطيات في المنطقة و ذلك لإحقاق الحق العفري الذي توج اليوم بالحكم الذاتي في إطار إثيوبيا الديمقراطية الفدرالية.
 

بعد استقلال ارتريا اعتقل بأمر من اسياس افورقي رئيس الجبهة الشعبية لتحرير وارتريا عام 1994 وافرج في عام 1999. و بعد خروجه من السجن سافر إلى إقليم العفر ليستقر في الاقليم الذي يتمتع بالحكم الذاتي ولطالما ناضل من أجله المناضل ، وكان ناصحا وشيخا وسط شعبه في مدن إقليم العفر وأيضا كان ناصحا وشيخا لكل التنظيمات العفرية الارترية ، التنظيم الديمقراطي لعفر البحر الأحمر وحكومة عفر ارتريا في المنفي وكان يحاول الفقيد تقريب وجهات النظر الفصيلين من أجل المصلحة العفرية العليا .
 

المرحوم علي عبده افنى عمره في النضال في شبابه وفي شيخوخه نتذكر لنشكر و لنقدر من هم يجتهدون و يسعون من أجل حق الأمة ولنترحم على من رحل عن دنيا. ورحمه الله و غفر له وأسكنه في فسيح جناته مع رفاقه الشهداء و الصديقين و أن يلهم رب العز ذويه و رفاقه و الأمة العفرية الصبر و السلوان.
 

رحم الله هذا المناضل القائد الملهم الصبور والمصابر والمقاتل الشرس أمام كل الصعاب والمشاكل. أدعو الله رب العرش العظيم ان يجزيه خير الجزاء لما قدم للأمة والوطن على مدى ما يقارب خمسين عاما من عمره.
 

*المراجع

رفاق الفقيد في النضال وأصدقائه