بقلم الاستاذ / أحمد شريف
22/04/2020

 
 
 

 


المسرحيةُ المُزجَاةُ
 


في الأيام الفائتة، شهدت وسائل التواصل الحديثة، تقاذف الكتاب على قلتهم، وتهامس الأماني على كثرتها، خبر إخراج (المسرحية السنوية) التي يَكتب فصولها ويخرجها ويروج لها، محترفو فن العبث السياسي لـ (مجموعة الهقدف). دوما يخرجها المخرج المحترف تحت عنوان (موت في مهب وطن). حيث الحبكة مرتبطة بالحياة ونقيضها. بل ذهب البعض إلى تحليل أبعاد (المسرحية المزجاة) هذه، سواء في مظهر (البطل) وأيضا الحواشي التي لامسته، حيث اللمس يعني، ملاقاة جسم لآخر، وكذلك الأشياء التي أحاطت بـ (البطل)، مضافا إليها الهراءات الكلامية التي لم يُجِد أداءها هذه المرة (البطل) إلى آخر التكهنات والأضغاث.
المسرحية الممجوجة، تأتي دوما في وقت يصطف فيه الحالمون؛ احتفاء أو اخفاء لمناسبة يتخاصم فيها الفرقاء. في هكذا مناسبة، يرفع فيه المتشاكسون سقف توقعاتهم بشأن صحة (بطل المسرحية) الوحيد في كل مشاهدها مع العجب!! وما يدعو للاستغراب أكثر، هو أن (البطل) لا يموت كما في الأفلام الهندية!!!

المتشاكسون حول بطل الفيلم فريقان. (1) الأول، يتمنى موت (البطل) بأي شكل من النهايات، وهم الأكثرية. لكن (البطل) أبدا ما يخذل هؤلاء!!! ليس لقوته الخارقة، لكن لسطحية المتفرجين للمسرحية من جهة، وارتفاع سقف توقعاتهم غير المواتية لأحلامهم من جهة أخرى. أيضا سلبية الذين خارج المسرح المتابعين لمخرجاتها بترقب حذر. (2): الثاني، مستعد جدا للتبرع بخزاناته فقط ليعيش (البطل)!! ورغم أنهم الأقلية المدافعة عنه، دوما هم المنتصرون، فقط لأنهم أجادوا مقولة (أنتَ الشعب، والشعبُ أنتَ) كما في مسرحية (الزعيم). لذا تنتصر الأقلية في المسرحية الملهاة كل عام!!! أحيانا يضطر المخرج، لعرض ذات المسرحية وبدون أي إخراج جديد، على الأقل مرتين في العام، وفق ما يراه (البطل) لا المؤلف ولا المخرج ولا الكاتب!!!! فالهدف دوما، هو توسيع دوائر الضد والـ (مع)؛ لمزيد من التنافر والتخاصم والتلاطم، ليس بالكلام فحسب، لكن بالمنشغلات الوطنية، وهي الطامة الكبرى للمسرحية الصفرية.
الخطورة الكبرى أن (البطل)، لا ينفذ سيناريو رسمه كاتب أو مخرج أو مؤلف خط خرطبلاته على ورق، لكنه يستخدم بعدوانية شيطانية مستمرئة، أرهق فيها أرواحا وسكب فيها دماء وزور فيها تاريخ أمة أختارت النضال سبيلا، والاستشهاد مطلبا نبيلا. ليس هذا فحسب، بل (البطل) سرق مستقبل أمة بحالها ووضعها على طاولة المسرح (الوطن) يدوسها بنعليه، يتمثل كل الأدوار لوحده، والجمهور المصفق والضد كلهم، في محطة الانتظار دون فواصل!!!!

وأيا كان الأمر، فإن الحقيقة التي لا جدال حولها، أن (البطل) سيسري عليه الأجلُ لا محالة، ليس كما يشتهي الجمهور المتشاكس في البضاعة المزجاة، لكن لأن لكل أجل كتاب، وأن لكل بداية نهاية. فـ(البطل) في نهاية المشهد، ليس ملاكا أو ربًّا صمدا، حتى لو رآه العابدون كذلك زمنا طويلا. يعني أن نهاية المشهد سيكون واحدة من حالتين.

الحالة الأولى: أن يلقى (البطل) حتف أنفه، مرضا تحديدا. مثل الأخيرة التي قاربت أن تقضي عليه، حقيقة لا تمثيلا. حيث فاجأته الوعكة، وهو في مقر إقامته التي يعرفها هو لا غير. فتم إسعافه في الغرفة المخصصة للحالات الحرجة في (مصوع) تحديدا، بعد ذلك تم نقله إلى مربضه الذي هجره من قبل (عدي هلو)، وهو المكان الذي ألقى منه (البطل) كلمته الأخيرة - حتى اللحظة - وفي أقل من ساعة تنادى من تنادى، لعقد اجتماع طارئ للفرقاء من حاشيته، وتلاقى الخصوم في غرفة (البطل)، ودار حديث لا داعي لذكر تفاصيله الآن. وإذ هم كذلك، أقسموا باسم بطلهم لا الوطن، أن يكونوا أوفياء مخلصين له؛ وتنفيذ وصية (البطل) إذا ما (رحل). ولم يغفو للـ (بطل) جفن، إلا بعد أن تصافح الأنداد الألداء في حظيرة (البطل). بالأمس القريب الثلاثاء الـ 21 من أبريل 2020، رشح لمصادر مطلعة، أن (البطل) استقبل بعثة أممية زارت أسمرا، في غياب تام لكاميرات التصوير، وفقا لتعليمات (البطل).
الحالة الثانية: هو أن يَلقَى (البطل) مصير ما يلاقيه كل الطغاة والظلمة في الأرض. إما بانقلاب على سلطانه عسكريا، ويصبح (البطل) أسيرا بين فكين، فوهة الانقلابيين، وشنآن الشعب، لتُرمى على وجهه كتبه السود، وينال جزاء ما اقترفته يداه المدنسة بالجرائم والأوزار عقابا وجزاءا عادلا. أو أن يتم إنهاء المشهد دون حاجة إلى وقت لمحاكمة بلا مرافعات.

لكن كل حالة من الحالتين، لها انعكاساتها على المشهد العام. في الحالة الأولى، سيتم ترتيب الأمور ترتيبا محكما، ويتنازل الخصوم والمتشاكسون الشرذمة القليلون، عن تطلعاتهم الشخصية، ويتركوا نزاعاتهم وخلافاتهم البينية جانبا؛ ليتشبثوا بآخر وصايا (البطل) التي أتوقعها في هكذا كلمات : (حافظوا على مكتسباتكم التي بنيتُها لكم، أمامكم أعداء كثر لن تستطيعوا هزيمتهم إلا بوحدتكم ....الخ) أو شيئا من هذا المثيل. ولأن (البطل) قد شكم عودهم وعبَّدهم على مرضاته، سيعضون على وصاياه بالنواجز، لسنوات وسنوات، قد تطول أو قد تقصر، دون بروز أدنى خلاف على السطح بين الفرقاء. وهذه حالة لا تعني أبدا نهاية موت سياسة (البطل) برحيله، بل سيكون هدف إحيائها أولا، ومن ثم المحافظة على لحمتها، أشد محاقا ووقعا على الوطن والشعب!! بمعنى أن الناس سيقاسون الأمرين؛ لأن (البطل) الذي كان وحيدا، قد فرخ (أبطالا)، وإذا ما كثر الأبطال والآلهة في معبد واحد، فإن المعبد الأكبر، لا محالة منهار على عباده ومريديه!!!
في الحالة الثانية: لن تكون هناك فرصة لإعادة ترتيب الأمور، حتى تُبحر سفينة (الهقدف) المعطوبة إلى بر الأمان بعد ترجل ربان السفينة الوحيد (البطل)، ولن يكون أبدا أمام الخصوم والفرقاء إلا التهافت في زمن التهافت، وستبرز تطلعات الأفراد نحو السلطة بشراهة. في عراك محموم في من سيكون أحق بالجزء الأكبر من الكعكة بعد رحيل (البطل)، وهنا ستنفجر كل القنابل الموقوتة التي طُمرت في باطن المسرح، وقد يأتي من وسط أمواج البحر المتلاطمة، المخلِّصُ المرتقبُ القادمُ من رحم المعاناة والأنين والويلات.

فأي النهاتين - التي يملك فيها القدير وحده يدا ومحركا - أحسنُ مطية وأفضل نهاية لمصلحة الشعب والوطن؟ برأيي أن (الأولى) لا تعني إلاَّ الطامة الكبرى لآمال وأحلام الشعب والوطن، وقد تَعِد مع الأسف بثلاثين أخرى أسوء وأشد تنكيلا!! أما (الثانية) فهي الأقرب إلى طموحات وآمال وأماني الشعب والوطن. لكن السؤال المهم أيهما أقرب إلى الحدوث؟ رغم أن الأمر كله بيد مالك الملك الجبار القهار، فإن المعطيات الماثلة، تشير إلى أن السيناريو المحتمل، هو أن يلقى (البطل) حتف أنفه، يعني يفارق الحياة مريضا؛ لأن كل الفرص المواتية لإنهاء حياة (البطل) أُهدرت ونفدت، علما أنها كانت نصف الفترة الزمنية التي تصدر فيها (إسياس) دور (البطل) في مسرحية عنوانها (موت في مهب وطن) مع الأسف الشديد.