حزب النهضة الارتري – مكتب الاعلام

18/4/2020م

 
 

 

عشق الحـــــــــــرية الطريق
نحو التغيير وبناء الوطن وحمايته


نحن أبناء ارتريا قد ادركنا ومنذ بواكير القرن التاسع عشر بأهمية الحرية في حياة الافراد والشعوب لذا كنا التواقين الى ذلك والمتطلعين اليه ، فجيل الاولين وبحكم الارتباط بالعالم الخارجي ومن خلال بوابة باب المندب والاطلاع على ما يحصل في العالم من ثورات من اجل الانعتاق من التبعية والاستعمار ظل الحلم يراودهم دوما في ان يكونوا احرارا كبقية سكان العالم الحر ، وبحكم التكوين الفطري للإنسان الارتري الذي يحب الاعتماد على نفسه في كل شيء ويتصف بعزة النفس ويرى بان هذه الحرية التي يتمتع بها على المستوى الشخصي وفي داخل العشيرة والرقعة الجغرافية التي يعيش بها لن يكون لها التأثير المباشر على حياته طالما ليست هناك دولة مستقلة تعنيه هو قبل الاخرين وينتمي اليها دون الدول الاخرى في ذات الوقت كان يؤمن بان التطور والتقدم الذي لاح في العالم كان مبنيا على اساس الحرية التي هي حجر الاساس نحو الولوج لعالم اليوم الحضاري المتطور .
ان حرية الانسان بان يقول ما يراه ويتنفس بما يشعر به بداخله دون خوف او وجل من سلطة او نظام يعني بانه حر طليق منفتح العقل يفكر ويتأمل يعرف اين هو وماذا يريد ويدرك ضرورة ارتباطه مع الاخرين من اجل بناء الحياة المشتركة واحترام الروابط على كل المستويات دون المساس لما يحقق له ذاتيته وبما يسمح له في بناء كيان ووحدة على اساس واضح المعالم تتناغم وتتألف فيها كل الاختلافات الطبيعية التي تظل تشير الى الارتباط بالإرث والتاريخ .
جيلنا الاول ادرك تماما اهمية هذه الحرية التي هي ترسم مسار حياته السياسية والاجتماعية فلم يرضى ان يكون تابعا فبالرغم من تعاقب المستعمرين بمختلف سحناتهم الا ان ملامح هذه الحرية كان تبدوا بأشكال مختلفة وظهرت بما يؤكد بان شعبنا الارتري ظل متمسكا في التحاكم لأعرافه وقوانينه التي تراض عليها واقرها المستعمر ولم يفرض عليهم الاجنبي قوانين من عنده .
ان العودة للتاريخ القريب لأبناء ارتريا حتى قبل ان تتشكل ارتريا في جغرافيتها السياسية الحالية يبرهن لنا رفضهم الانصياع والخضوع لكل الغزاة من اباطرة اثيوبيا بما يشير وبدون ادنى شك بان في طبيعتهم أعزة ويعشقون الحرية بقدر كرههم ومقتهم للعبودية والذلة بشتى صورها .
فوجود العشق للحرية على مستويات التكوين الفردي والاجتماعي هو الذي هيأ لأبناء ارتريا بأن يسعوا ويشقوا طريقهم لإيجاد الكيان الذي يرتبطون به ويجسد احساسهم وشعورهم بالانتماء للأرض التي كانت وعلى مدى التاريخ مقبرة الغزاة بتعدد الوانهم ومشاربهم .
فأبناء هذه الارض حتى وان لم ينهلوا العلم بالمدارس وبيوت العلم في ذلك الزمن الغابر الا انهم كانوا يتمتعون بالحكمة التي توارثوها وتناقلوها بالمشافهة جيلا عن جيل وهذا نجده مجسدا في امثالهم واشعارهم التي يتداولونها وان لم تدون معظمها بحكم تأخرهم في اكتساب العلم الحديث الا انها وفي مضمونها تظهر عمق الفهم لطبيعة الحياة والعلاقة فيما بين الاشياء والمخلوقات وفيما بين الاعمال والتصرفات والنتائج فهذا الارث الحضاري اظهر مدى تمتع انسان ارتريا بمقدرة عقليه فذة تجعل منه قادرا على التمييز والاستنباط والتنبؤ لمستقبله .
فعشق الحرية وادارك المجتمع الارتري بانه ليس يستطيع العيش الا في اجواء الحرية وان هذه الحرية لا يمكن ان تكون متحققة في ظل وجود اجنبي يدير الحياة ويسيطر على الارض وان الحرية الحقيقية لا تكتمل الا بان يكون الانسان قادرا على التعبير عن نفسه وان تكون الحياة التي يعيش تعبر عنه وترسم تطلعاته واحلامه ، ومن هذه الفهم الفطري الطبيعي كان انطلاق الانسان الارتري نحو خلق كيانه المستقل وبالتالي حارب بشتى وسائل النضال حسبما تقتضيه المرحلة ليخلق الواقع الذي يجسد ما يشغل باله ويتناغم مع تطلعاته احساسا منه بانه ليس باقل من بقية البشر في الأرض الذين يصعدون للعلالي محققين انجازات على ارض اوطانهم .
وادراك شعبنا بأن الحرية التي يتمتع بها حسا ومشاعر لن يستطيع الحفاظ عليها الا بوجود الوطن الذي يرعى هذه الحرية وينميها وبها يكون قادرا على الابداع والعطاء وان هذه الحرية هي التي تمنحه ديمومة بان يتمتع بحقوقه وهي التي تمنحه المقدرة للدفاع عن أي اعتداء على ارضه او سيادته وهي التي تمنحه الصبر والمثابرة على الكفاح من اجل البناء وتحقيق النماء والاستفادة من خيرات ارضه وتفجير طاقاته الابداعية ليدرك بقية الشعوب التي شقت طريقها في مضمار الحياة الحديثة بكل تجلياتها .
ففي عام 1991م تحقق لأبناء هذا الوطن حلمهم الأبدي في ايجاد كيانهم المستقل فبدحر قوات الاحتلال الاثيوبي اخر المستعمرين وبإنهاء وجودهم انهى الارتريون مسيرة بحثهم عن هذا الكيان الذي يعقدون عليه الآمال بان يكون انطلاقا نحو رسم وكتابة أحلامهم التي اودعوها في الذاكرة ، واول مظاهر تحقيق هذه الاحلام هي ظهور الشخصية الارترية الحرة بكل ما تحمله معاني الحرية من معنى تتجسد في الممارسة على ارض الواقع في ان يشق الارتري طريقه نحو القمة من خلال وضع لبنات دولته الفتية التي اتت للوجود ببندقية الحرية وارواح الاحرار كانت خلف كل طلقة وشرارة اطلقت على الاعداء ان الشهداء والمعوقين والمعتقلين والسجناء والتشرد وكل صنوف المعاناة كانت مهرا للحرية ومقتا للعبودية كان كسرا لكل القيود التي تكبل الانسان الحر نحو التطلع للعالم الواسع فكل اناشيد الثورة بمختلف لهجات اهل ابناء ارتريا جسدت هذه المعاني السامية وتغلغلت داخل الوجدان الارتري .
فالثلاثون عاما من حياة الكفاح المسلح تشهد وتتحد بجلاء بان انسان هذه الارض يعشق الحرية بوعي حقيقي وبالتالي رسم على الارض ملاحم بطولية اعلن فيها للعالم بانه يدفع فاتورة حريته وكرامته سعيا نحو التأكيد على انسانيته واحقيته في ان يعيش على ارضه وليس غيرها وقد اختار حياة يعشقها وليس حياة يعيشها كما يريد الاعداء فكانت ثورته الهاما ومعجزة افريقيا في القرن العشرين واكد واعاد تجسيد المقولة بان ليس هناك حاجزا بين الشعوب وتحقيق ارادتها ( اذ الشعب يوما اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر ، ولابد لليل ان ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر ) والشعوب الواعية مستعدة للتضحية من اجل تحقيق رغبتها في ايجاد حياة توفر لها كافة مطالبها وأولها هي الحرية الحقيقية .
ان الثورة الارترية ليس من المبالغة القول بانها كانت مفخرة لكل سكان منطقة القرن الافريقي وشعوب المنطقة بأكملها والدول المجاورة خاصة وكانوا ينظرون الى الانسان الارتري نظرة اعجاب ويقدرون الثورة الارترية ويجلون تضحيات الشعب ، وكان الارتري اينما حل وارتحل يجد الترحيب ويفتخر بان له وطنا اسمه ارتريا ولم يكن لديه ادنى شك من تحقق النصر على الاعداء وذلك ينبع من يقين بان الدماء الزكية لن تروح هدرا وانجاز غاية ثورته دونه كل التضحيات وقد كان العديد من شعوب المنطقة لا يرون أي حرج بل يعدون مفخرة بان ينسبوا انفسهم الى ارتريا في التعريف بأنفسهم ، بل اكثر من ذلك كسبت الثورة الارترية اصدقاء تبنوا قضية شعبنا وصالوا وجالوا في تراب ارتريا فهذه الثورة وبطولاتها هي معجزة سطرت بمداد الدم لكرامة وعزة انسان هذه الارض .
وان التساؤل الذي يثار دائما ونحن نعايش واقعا مؤلما جدا وخاصة لجيل الثورة الذي عاصر ملحمة التصدي بالإرادة والاصرار على التمسك بمبدأ الاستقلال والحرية وهذه هي التساؤلات لماذا اختفت الحرية التي كانت ملهمة للانتصار في ملحمة الاستقلال ومن الذي عمل على تدمير هذه النفس المستعلية والتي لا تخشى الخوف ولا الموت ولا تخضع للتهديد مهما كان اين توارى حملة البندقية الذي صالوا وجالو في سهول ووديان ارتريا وهم يقتحمون ميدان الموت في لهفة للحاق بمن سبقوهم بنيل الشهادة واين اختفت الجماهير التي عانقت الثورة ووهبت الروح والابناء والمال مهرا للحرية التي ستفجرها ارض ارتريا بعد ان تتخلص من المستعمر الاثيوبي ان هذا التساؤل يجب ان نستمر في طرحه ومتى وجدنا الاجابة عليه فإننا سنجد انفسنا تلقائيا في مسار الثورة لان الاحساس بحاجتنا للحرية صارت تتصاعد ذروته كلما اصطلينا بهجير الاذلال ولكننا لم ننكسر .
ان راس النظام ومن معه من الذين ظلوا طيلة مرحلة الكفاح المسلح يضمرون نوايا غير ظاهرة هي بعكس تطلعات الشعب للعيش بسلام في اجواء الحرية الحقيقية بحيث تتكافا وتعادل مشقة ومعاناة شعبنا التي استمرت لعقود وباستحواذ هؤلاء الطغمة على السلطة والمال استطاعوا تسخيره بمكر ودهاء في الهاء شعبنا عن مطالبه الحقيقية في الحرية وجعلوه يعيش فرحة امتلاك ارضه ودحر الاستعمار كأنها هي المحطة الاخيرة للثورة وبالتالي تم تسريح المناضلين ، والجماهير التي وقفت خلف ثورتها مضت في طريق اخر بحثا عن تحقيق الرغبات الخاصة ، وبالتالي وجد شعبنا نفسه بين عشية وضحاها تحت رحمة عصابة لا تكن له أي احترام ولا تضع له اي تقدير وتدير مستقبل وطن وتذهب به نحو الدمار وتبديد كل احلام شعبنا .
سنوات ما بعد الاستقلال صار وقعها على شعبنا مؤلما جدا وطالت ممارسات النظام القمعية شعبنا بكل تكويناته ومعتقداته والاخطر في الامر هو محاولة سلب التفكير ونزع الثقة من الذات الارترية حتى تقف عاجزة على العمل من اجل التغيير ، كما درجت على مسخ التاريخ والتضاريس وخلق جيل ما بعد الاستقلال مجردا من روح الانتماء الوطني وتحييد كافة ابناء الشعب عن المساهمة في ارساء نظامه السياسي وتأكيد مشاركته الحقيقية ، وان العلة الاساسية في الامر كله هو الممارسة الهمجية التي انتهجها النظام في بث الرعب والخوف في نفس الانسان الارتري والتي رويدا حلت مكان الحرية والصمود الخصلتين التي ظل يتمتع بها طيلة مرحلة الكفاح وعليها تكسرت كل المؤامرات ، وهنا يتأكد بان العدوان الخارجي اهون على الشعوب من وكلاء الاعداء من ابناء الوطن الذين يعرفون بني وطنهم ويلعبون بالمشاعر وخلق الافتان الداخلي وافتعال المشاكل وخلق الاحداث التي تشغل ابناء الوطن عن التفكير في قضاياهم الوطنية الحقيقية .
فقد سلب ابناء الوطن حريتهم بشتى الوسائل والحيل وبالتالي فقد فاعليته ولم يستطع على مقاومة الطغيان قبل ان يكون جبروتا لم يستطع ان يتساءل عن كل شيء يحدث امامه وحواليه ويساق الابرياء الى السجون بالليل والنهار لا احد يسال عن سبب اقتيادهم وابناءهم يساقون الى معسكرات غسيل الادمغة ولا احد يسال ويختفى المعلمون والقادة وليس من سائل ويشرد الشباب ويتم اغتصاب البنات العفيفات ولا تتحرك الغيرة ويتم مصادرة الاراضي والمباني في وضح النهار وليس من احد يتساءل لما كل ما يجري ، فقد تم ذبح الحرية وسلخها ، وصار الانسان الارتري اليوم لا يشبه جيل الثورة الا صورة اما في الحقيقية فقد صار كقطيع الماشية يحتار من كل اراد ان يجد لها تفسير .
نحن اليوم يتحتم علينا البحث عن حريتنا الحاضرة الغائبة فهي التي تمنحنا حب الوطن وحب التضحية وهي التي تمنحنا الصبر والصمود وهي السلاح الاوحد التي بها بالأمس حررنا ارضنا من المستعمرين عشقا للحرية والان ايضا لا سبيل الا بالعودة حتى ولو كانت متأخرة الى مسار الحرية ، فالثورة لا زالت شعلتها متقدة احتفلنا بتحرير التراب وهي المرحلة الاولى ونظل على المسار لنعانق يوم الاحتفال بالمرحلة الأخيرة وهي ان نتنفس الحرية التي تمنحنا الكرامة وهي التي تمكننا من بناء الوطن ونكون الاقدر على حمايته ولتكن مناسبة عيد الاستقلال في مايو الشهر المقبل موعدا لانفجار بركان الغضب الشعبي بالداخل والخارج .

حزب النهضة الارتري – مكتب الاعلام
18/4/2020م