بقلم / أحمد شريف
 

 
 

 

 

آفة شعبنا في مثقفيه


ورد في سير النضال والثورة، أن مناضلا من قوات الجيش الشعبي، انتبه أنثاء اجتماعات القادة بالكتائب والفصائل والسرايا، إلى عبارة بعينها يتم ترديدها وهي (الاتحاد السوفيتي). يصفونها بالقوى الداعمة لجيش الاحتلال الإثيوبي آنذاك. ومن كثرة التكرار رسخت العبارة أعلاه في عقل المناضل البسيط المتلحق بقطار الثورة من إحدى قرى المرتفعات. وطفح بالمقاتل كيل الكراهية لذلك الاسم حتى كاد أن ينفجر غضبا، سيما وأن تلك القوى، أصبحت تهدد بقاء الثورة وصمودها. وفي إحدى الاجتماعات استأذن المناضل القائدَ وسأله مغاضبا "من هو هذا الاتحاد السوفيتي؟" فقيل له إنها قوة عظمى، تدعم إثيوبيا الاستعمارية .....الخ. على الفور ودون تردد قال المناضل: لماذا لا نقوم بالقبض على هذا الاتحاد السوفيتي ونقضي عليه، ونتفرغ بعئذٍ للعدو؟

هكذا ببساطة، أفصح المقاتل البسيط - المنخرط في برنامج محو الأمية آنذاك – فهمه العميق للسياسة في معناها الشامل البسيط. أروي هذه القصة الحقيقية، مدخلا للحديث الرائج هذه الساعات، وسيستمر لأيام عددا، وسط من يُحسبون على أنهم (مثقفون) سواء في غرفهم المغلقة، أو برهم وبحرهم الضيق الفسيح!! مختصره " أن الأستاذ المناضل القيسي أفاد بمعلومة تشير إلى أن "أن لقاء ما قد تم بين أكاديميين إسرائيليين وتنظيم إسلامي إرتري"، ومعلومات أخرى في الموقع المشار إليه ....الخ. روته الأسافير.

لا غبار مطلقا على معلومة الأستاذ القيسي، فهو يدلي بإفادات وصلته، وقد تكون إفاداته تلك، وردت في سرد أحداث معينة. لكن الغريب وكل الغبار، أن ينشغل ما نسميهم بـ (المثقفين) والمنخرطين في (السياسة) كما نعتقد، بالمعلومة تلك لمجرد ذكرها، ومن ثم يستغربون حدثوهها، ويلحون على المصدر، الإفصاح عن اسم الحزب تارة، وتحديد أسماء الأكاديميين الاسرائيليين إلى آخر الانشغالات والأحاديث الجانبية الانصرافية. حقيقة هذا أمر مستغرب جدا ومستهجن لدى العقلاء منا، ومن يفهمون السياسة على حقيقتها على الأقل.

أتساءل بدوري، ما العيب أن يلتقي هذا الحزب الاسلامي الإرتري، بسياسيين إسراليين فضلا عن أكاديميين؟ أليس السياسة هي فعل الممكن؟ ومن قال إن في السياسة مبادئ في الأصل؟ المناضل البسيط فهم السياسة، وأدرك محدداتها بالفطرة لا بالمثاقفة، فهم أن السياسة تعني أن تتواجد، حيث يتواجد عدوك، حتى لو كان في كواكب أخرى.
لو افترضنا أن عدو الشعب الأوحد هو (إسياس أفورقي) فقط لا غير. هل تعلمون أيها المثقفون والكتاب، أن سياسة عدوكم هذا قائمة على مفاهيم استغراباتكم هذه من قبيل (إلتقاء حزب إسلامي إرتري بأكاديميين إسرائيليين) وعلى شاكلتها. وعلى يقيني أن هذا الشعب المغلوب على أمره، له أكثر من (إسياس) أعداء إن كنا نعلم؟ من ذا الذي جمع (إسياس) بقادة دول الخليج العربي منذ أكثر من أربعة عقود؟ واستتزفها دعما سياسيا وماديا حتى أوصلنا إلى هذا المنحدر؟ أليست السياسة والمصلحة لا غير؟ ما الذي جمع (إسياس) بالآيات في قم وطهران؟ أليست السياسة ومصالحها لا غير؟ من ذا الذي فصل بين (إسياس) وكل التنظيمات الإرترية الأخرى؟ أليست السياسة ومصالحها لا غير؟ لماذا لم تتعاون أمريكا والغرب مع الشعب الإرتري للقضاء على حكم (إسياس)؟ أليست السياسة ومصالحها؟ والأمثلة كثيرة أيها الناس إن كنتم تعلمون. لماذا جمع (إسياس) كل المتناقضات على الأرض الإرترية المحدودة الجغرافيا: (العرب وتركيا وإيران وإسرائيل وحوثيين وقاعدة وما لم يرد ببال مثقفينا؟) ألم تكن السياسة ومصالحها؟.

قد يثور ثائر من مثقفينا الهمائِم ليقول: كيف يلتقي حزب إسلامي بإسرائليين أكاديميين ....هههه الخ. إذا افترضنا وجود حزب إسلامي (في إرتريا) كما حددته الاجتهادات الفكرية الاسلامية. أحسب أن إرتريا لم تشهد مطلقا حزبا إسلاميا ذا فكرة ومنهاج إسلامي صرف هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى لا يوجد في الإسلام شيء أسمه (السياسة) بمفهومها الممارس الآن في علم السياسة. هناك سياسة بمفهومها الإسلامي الخاص، وهي الـ (حاكمية). والحاكمية لها ضوابطها وشروطها إلى آخره. وفي ذات الوقت السياسة ليست حراما في الاسلام، حتى وإن كان الذي يرفع شعارها، حيث يعمل السياسي بما تمليه عليه السياسة فقط، لا الحاكمية، وعندها يصبح المُمَارس سياسيا من الدرجة الأولى ليس إلا. المشكلة في عالمنا الإرتري الغريب، لا السياسيون أحترفوا السياسة، فأصبحوا يتعاملون معها بمصالحها فقط لا بتوهماتهم، ولا الإسلاميون أيضا غدوا إسلاميين مسيسيين، أو ركنوا إلى مفهوم (الحاكمية)، لذا أنتج لنا أولئك وهؤلاء، هذا الخليط من المثقفين، يصعب تحديد معالمه واتجاهاته المفاهيمية سياسية كانت أم ضربا من الخيوسياسية، هذا فضلا عن الفكرية.

(إسياس) راهن على فكرة محددة مع خصومه للقضاء عليهم، وهي (إبعاد معارضيه عن المسرح الذي يعمل فيه) أو إبتعادهم عنها، سياسة ميكافيلية كانت أو شيطانية من لدنه. (إسياسويه) هذا لعب في كل المضارب (إسلامية، يسارية، بعثية، قومية، اسرائيلية، غربية، أمريكية، آقآزيانية....الخ)!! وكلما أقترب (إسياسويه) من هذا المضمار، ابتعد خصومه من تلك المضارب جهلا كان أو غفلة، حتى أصبحوا خارج المسرح الفعلي تماما. ومن هنا تأتي شطحة الاستغراب هذه من مثقفينا الأبرياء. فقد أدلج الرجل أفكار أنصاره ومعارضيه معا، حتى طبع على قلوبهم فهم لا يعلمون.
شخصيا أحيي التنظيم الإسلامي الذي التقى بأكاديميين إسرائليين، وأدعو إلى أن ترفع العمائم لذاك التنظيم إن كان على قيد الحياة. ولو كنتُ سياسيا، لالتقيتُ بتنظيمات إسرائيلية بل وأحزاب سياسية إسرائيلية فضلا عن أكاديميين؛ لأضع معهم جميعا برنامجا سياسيا، ليس هذا فحسب، بل أتحرك حيث يتحرك العدو (إسياسويه) وأطرح ما أراه مقارعا له في كل المضارب، لا أن أترك له (الخليج والمحيط والأكاديميات وأمريكا والغرب والكيان والجماعات والأحلاف ....الخ.

من الهدايا، كما يقول شيخ الصحافة والثقافة الأستاذ حسين خوجلي. ذات يوم أسر إلي بعض الخلص، رغبته الشديدة للانخراط بقوة وببسالة في أنشطة سياسية حتى نحقق أماني الشعب في الحرية والديمقراطية ...الخ. ولأني تلمستُ رغبته الشديدة ووطنيته الجامحة. قل له هل تسمح لي بإبداء رأيي صراحة؟ وعندما أعطاني الأمان الأخوي. قلتُ له إذا كنت تنوي ممارسة (السياسة) في الشأن الإرتري، أمامك أحد خيارين لا ثالث لهما: الأول أن تبدأ حوارا سياسيا مع (د.أبي أحمد وتطرح معه برنامج عمل سياسي محدد). الثاني أن تفتح حوارا مع العدو اللدود للشعب الإرتري (إسياسويه) وتطرح معه برنامجك السياسي بعيدا عن كل ما هو مطروح!! هذا إذا كنتُ يا أخي ترغب العمل في (سياسية). تعجب صديقي من طرحي، ورفض الفكرتين جملة وتفصيلا.

في يقيني (السياسة) هي الاقتراب من دائرة عدوك واقتحامها فكرة ومناورة وتكتيك!! غير هذا نحن لا نمارس (السياسة) ماضيا وحاضرا وأشك مستقبلا. وبهذه المناسبة السياسية، أتمنى أن يقترب المجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي من دوائر عدو الشعب الإرتري (إسياسويه) والتحرك في مضماره. لنشهد فعلا سياسيا بالمعنى الصحيح لا غير. وإلا سنظل نقول حتى مشرف القبر، آفة وأزمة ومحنة الشعب الإرتري في مثقفيه ليس إلاَّ .