بقلم/ متكل أبيت نالاي

 15  نوفمبر 2019م

  

 
 
 
 

 

 

مفهوم استقلال القضاء

 

سبق وتحدثت في مقالات سابقة لما يجب أن تكون عليه دولة المؤسسات, ولكن اليوم أريد أن أتطرق في مفهوم استقلالية القضاء في جسم الدولة الديمقراطية.

 يعتبر استقلال القضاء الركيزة الأساسية لعدم تغوُل أية سلطة أخرى عليه , وهو صمام الأمان للثقة بالقضاء وأحكامه , ولا شك في أن ما يتمتع به القضاء  من الحصانة  والاستقلال  خصوصاً تجاه كل من السلطة  التنفيذية والتشريعية , كفيل بتحقيق رقابة للإدارة وإخضاع الحكام جميعاً لأحكام القانون وتحديد سلطاتهم  تحديداً فعالاً, وعلى  العكس  حين يفقد القضاء استقلاله ويكون رجاله من حيث  اختيارهم أو ترقيتهم  أو ممارسة اختصاصاتهم  خاضعين للسلطة التنفيذية , فأن الرقابة القضائية  لا يكون لها معنى , على الأقل بالنسبة إلى الحكام , ويصبح مبدأ خضوع الدولة  للقانون وهماً لا وجود له  وتبدو  مظاهر  استقلال  القضاء في أوجه عدة , تتمثل في الاستقلال عن السلطة  التنفيذية كما جاء أنفاً, وكذلك الاستقلال  عن السلطة التشريعية , الذي يعني عدم خضوع القاضي لغير  القانون الذي حدد اختصاصه وولايته على الدعوى قبل وقوع الجريمة,وأن  كل تدخل في اختصاص القاضي بمناسبة دعوى معينة يعتبر اعتداء على استقلاله وحياده. وكذلك الاستقلال الوظيفي للقضاء. وهذا يعني ألا يؤثر تعيين  القضاة في استقلالهم  وأن يكون تعيين القاضي مشمولاً بضمانات محددة والاستقلال عن المتقاضين لضمان عدم  المحاباة تجاه أي من الخصوم, وكذلك الاستقلال عن الرأي العام, كما أن استقلال القضاء ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إذ إن المادة العاشرة من هذا الإعلان نصت على أنه لكل إنسان الحق في المساواة التامة مع الآخرين في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه. ومن الملاحظ أن الشروط التي تكرس  الضمانات لاستقلال القاضي هي ضرورة توافر الشروط العلمية والفنية في القاضي, أي شرط الكفاءة للمنصب  من كل الجوانب, وكذلك وجوب توفير الحياة الكريمة للقاضي من حيث خضوع القضاة في مناصبهم لنظام إداري  ومالي يحفظ استقلالهم ويمتعهم بحياة كريمة يقاومون بها الضغوط التي  قد تمارس عليهم ويحول دون وقوعهم أسرى لمصالحهم الشخصية.

 وأيضاً حصانة  القاضي من العزل أي عدم قابلية القضاة للعزل ما لم يأت جرماً ويعني ذلك  استقلال القاضي استقلالاَ  وظيفياً لا يخضع به إلا للقانون.

حق الطعن بالاستئناف وضماناته:

الطعن في الحكم هو إجراء يقوم به الخصوم في الدعوى في حال عدم قبولهم بالحكم الصادر, وله أي للطعن طرق وأحوال يقررها القانون, وهو حق أصيل للخصوم, ومن حيث المعنى فأن الطعن في الحكم هو أن يبدي أطراف الدعوى أو  يكشفوا عن عيوب  يرون أنها قد شابت الحكم الصادر, ويستهدفوا بذلك إلغاء أو تعديل ذلك الحكم, إذاً فالطعن هو إجراء  قانوني  يصدر من ذي صفة يقصد به رفع الحكم القضائي إلى المحكمة المختصة في مراتب السلم  القضائي . بهدف إلغاء ذلك الحكم أو تعديله.

أما  الضمانات التي كفلها القانون بشأن حق الطعن فهي أولاً:  ضمانات تكفل ممارسة هذا الحق وهي تنقسم إلى قسمين , قسم  يعالج أو يقوم على مبدأ الحق في  العدالة, وقسم يقوم على نصوص القوانين الإجرائية, أما الضمانات التي  تقوم على مبدأ الحق في العدالة فنصت المواثيق  الدولية والقوانين الوطنية على ذلك المبدأ, وتسمية الحق في اللجوء إلى القضاء  والحق في المحاكمة العادلة,إذ ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "لكل شخص حق  اللجوء إلى المحاكم  الوطنية المختصة, لإنصافه الفعلي من أية انتهاكات لحقوقه الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون لهذا  يحق  للمواطن أن يلجأ إلى  القضاء  لحماية حقوقه ومصالحه المشروعة , والحق في تقديم الشكاوي , والانتقادات والمقترحات إلى أجهزة  الدولة ومؤسساتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة سواء كان عبر الصحف أو غيرها.

والحق في اللجوء إلى القضاء هو حق عام, فهو يشمل حق اللجوء إلى محاكم الدرجة الأولى وغيرها من مراتب التقاضي, كما يشمل حق الطعن في أحكام المحاكم وغيرها من الجهات القضائية. وهذا طبعاً يسند  إلى قانون  المرافعات الإجرائية الذي يكفل جدية الحق في الطعن لكي لا يضار طاعن بطعنته وأن لا يخاف  أي طرف من الأطراف الضرر  باستنافه,فإذا طلب  الطاعن مثلاً بإلغاء الحكم الصادر ضده أو تخفيفه أو طلب إلغاء الحكم الصادر بالبراءة لمصلحة خصمه, أو طلب تشديد العقوبة عليه, فأن محكمة الإستناف إما أن تلبي له طلبه كاملاً أو ناقصاً, ,وإما أن ترفضه فقط. ولكنها لا تستطيع استغلال فرصة وجود القضية أمامها لتصويت خطأ في الحكم يترتب عليه ضرر بالطاعن, حتى وإن رأت أن ذلك التصويت يجعل الحكم أقرب إلى تحقيق العدالة. وذلك إعمالاً لقاعدة ( لا يضار مستأنف بالإستنافه). وعلة هذا القيد أن محكمة الإستناف تستمد سلطة النظر في الحكم الابتدائي من إستناف الخصم وطلباته التي أبداها فيه.

 وبمقتضي  الطعن إذا أتتضح للقاضي وقع خطأ فعلاً من شأنه أن يؤدي إلى إيقاف تنفيذ الحكم المطعون فيه حتى لا يتضرر منه الطاعن من حكم غير منصف, لأنه وجد في  الحكم  ما تشوبه شائبة الخطأ في نظر محكمة الإستناف  يتفق عليه القضاة.أما إذا كان الحكم الابتدائي صحيح ,هنا يكون الحكم ملزماً وجب تنفيذه فوراً  وهنا يكون مبدأ الاعتراض غير مفيد وغير جاد.

 من هذه المعطيات يتأكد لنا في بلادنا وغيرها من البلدان التي تحكم بالأنظمة الشمولية الحصار المخزي المفروض على القضاة المعينين من قبل الدكتاتور وكيف يصدرون أحكامهم والكيفية التي وصلوا بها إلى المحكمة وكيف يحرمون الناس من العدالة.

فوجود نظام قضائي قوي ومستقل يسبب الخوف  لنظام الدكتاتوري لأنه سوف يتسبب في إشاعة مرجعية القانون والدستور في البلاد. وهذا طبعاً يؤثر على مكونات الظالمة التي وضعها القائد الفرد لشعبه, لهذا نقول

" لا وجود للحرية دون فصل السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية لضمان واقع ومظهر قانوني يلتزم به الناس, وهذا لا يتأتى إلا من خلال استقلال القضاء, لأن الحكومة يمكن أن تحافظ على وعودها أو لا تحافظ عليه, هذا ما يعرفه الشعب لحقاً من خلال محاكمه المستقلة, وعليه يصبح كفاحه من أجل إقامة حكومة دستورية تسن قوانين جيدة ترعاها وتعطي الثقة للمواطنين بأن القوانين سوف تطبق بأنصاف ومساواة.

 فالواقع أن كل دساتير الأنظمة الدكتاتورية تضمن نصوصها استقلال القضاء ولكن نزاهة وتحيز القضاة وتدخل الدولة يعوق المحاكمة العدالة, لهذا يصبح من الأمور الأساسية للعمل القضائي عدم إخضاعه لسيطرة السلطات الحاكمة.وهذا ما ثبت للعالم الحر بل يقف هذا العالم بصلابة في مساءلة فصل القضاء ويراها شيء أساسي للحفاظ على حكم القانون في الدولة.

لأنه عندما تقوم هيئات حكومية بدور مشرع فخطر السلوك الاستبدادي للحكومة قائم ومستحكم  في مقدرات الدولة والعباد, ومن هنا سوف يتعين على القضاة أن يعملوا وفق قواعد وقيود الهيئة التنفيذية مما يولد انطباعاً  لديهم بعدم قدرتهم الاضطلاع بمسؤولياتهم القضائية بنزاهة وبكفاءة. كما أن التفاعل بينهم وبين المسؤولين التنفيذيين يصبح أكثر تعقيداً لوجود مفسدين ومخالفين يسيئوا استعمال سلطاتهم  ولهم تأثير على عرقلة قرارات المحاكم وتغيير أحكامها ولا يمكن للقضاة أن يعملوا شيء حيالهم.

يمكننا إلى حد بعيد القول أن إرتريا وجهها الحقيقي بلد ديمقراطي  ولكن علينا نشر الوعي السياسي الديمقراطي وتفعيل عمل منظمات المدني ومواصلة النضال لحراسة الديمقراطية وترسيخ مبادئها فمن دون ذلك سوف لن نضمن أي حق في جني عسل الديمقراطية!!!

 

بقلم/ متكل أبيت نالاي