بقلم  الاستاذ / أحمد شريف

     13/12/2019          

 
 
 
 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

نعم ولكن


قبل أيام، خرج من الشرفة الإرترية، الفنان البجاوي إبراهيم بـ (ودعافة) على الملأ، برسالة فنية، زعم أنها صوتا مناصرا لشأن من شؤون شعوب المنطقة. آخرون صنفوا رسالته، على أنها كبوة فنية لا غير. لكن بالنظر عميقا إلى دلالات وإشارات ما قدمه (ودعافة) نستطيع القول، بإنها مثلت صبينةً فنية، وسقوطًا مريعا، بل إساءة صريحة إلى قبيلة الفن وآله ومريديه، بل وجمهوره على الضفتين الإرترية والسودانية معا.

(ودعافة) الفنان، تجاوزى في عمله الأخير، أعراف وتقاليد أخلاق ومثل الأمة البجاوية، التي درجوا عليها كابرا عن كابر. ولا نبالغ في القول، إن أغنية (ودعافة) الأخيرة، شكلت تحللا صريحا عن قيم ولزوميات الفن البجاوي المتعارف عليه، أدبيا وأخلاقيا وحتى مروءة، عبر التاريخ. فقد عُرف عن الفنان البجاوي، حتى في أعلى قمة نشوته أوغضبته، لا يتجاوز تمجيد قبيلته، أو التغني ببطولاتها، وفروسيتها، وذكر مناقبها، وتوثيق أيامها وأحداثها، دون النيل أو الإساءة المباشرة أو غير المباشرة، لشأن هذه القبيلة أو تلك، سواء كانت من القبائل البجاوية الأخرى، أو تلك التي تشاركه المأكل والمشرب والمرعى، إلاَّ هذا الخروج الفادح الفاضح غير الأخلاقي الأخير، الذي شكل نشاذا في الحقيبة الثقافية، والموروث الفني للشعوب البجاوية.


 

وهنا لا ندعي أن المسرح البجاوي، لم يشهد مثل هذه الإنفلاتات، بالعكس فقد شهد أعمال فنية غير منضبطة، لكنها لم تكسر الضوابط الفنية، والالتزام الأخلاقي، بل وحتى الانساني كرسالة ودعافة الأخيرة؛ التي تجاوزت الرسالة الفنية، وولغت في موضوع آخر بعيد كل البعد عن الفنون وقميها النبيلة. نعم عدد محدود من الشعراء، والمغنين البجاويين، تجاوزوا الخطوط الصفر، في أشعارهم وفنونهم، سواء في إطار التمجيد سالف الذكر، أو مدح هذا الفارس أو ذاك العَالِم، ولكن سرعان ما تنبهوا بحذاقتهم الفنية الفطرية، أو ذائقتهم القبلية، أو ما تفرضهم عليهم أخلاقيات المروءة والنفس العالية، فدلفوا إلى شعر الحماسة المفرطة، والتغني بالفروسية والبطولات، للتنفيس عما يمور بالنفس الآمارة بالسوء، مع ضبطها وكبح جماح شهوتها العدائية، في أبهى صور الانقياد اللفظي. هذا في العموم الغالب، وليس في المطلق من الأشعار والأغاني، من الأدب البجاوي شعرا كان أو أي لون من ألوان الفنون والإبداع، ذلك كغيرهم من الشعوب الأخرى المتواجدة في المنطقة عبر آلاف السنين.

أدلجة الفن المرفوض وهو ما أقدم عليه الفنان (ودعافة)، جسد ما يُعرف إصطلاحا بـتبني (خطاب الكراهية) والترويج له مع سبق الإصرار والترصد، بل والتشهير به في وسائل الإعلام البديلة، وبطريقة تدعوا إلى الاستهجان والرفض حتى من أفراد القبيلة، التي زعم، أنه يدافع عن حقوقها، من خلال تبني أسلوب شتم وسب عدد هائل من قبائل وقوميات أخرى، لها وجودها الاجتماعي، وفعلها التاريخي المؤثر، على حد سواء في السودان و إرتريا.


 

ونظرا لكثافة جرعة (ودعافة) من خطاب الكراهية والترويج له، فإن الموضوعية تستدعي إعادة الاستماع إلى (رسالته) بعقلية محايدة، بعيدا عن العواطف والينبغيات والفرضيات؛ لوضعها في سياق التحليل الفني أولا، ومن ثم تلمس أبعادها الفنية، من منطق أخلاقي، وفني، وأدبي، لا العكس، وذلك توخيا للمعالجة الموضوعية المحايدة، في هكذا عمل فني غير مستطاب، في عقلية وذهنية الذائقة البجاوية بشكل خاص، والمتلقي العام على وجه التحديد.في هذا الإطار التحليلي، هناك جملة من الملاحظات الفنية يمكن إيجازها في التالي:

الملاحظة الأولى:

التسجيل تم بتخطيط متقن، لهدف أيضا قصد تحديده بعناية فائقة. حيث ضمت الخلفية، شخوصا بزي بجاوي أصيل. ليس هذا فحسب، بل شملت المجموعة، صورة مشابهة لصورة أحد أساطين الفن البجاوي، بالإضافة إلى تضمين صورة لشخصيات مشهورة من شرق السودان، وشخصيات فنية وتاريخية من إرتريا. ما يعني أن الصور عموما، لم يتم إدراجها مصادفة أو إعتباطا، بل وضعت لهدف لا يتسع المجال هنا للتطرق إليه بالتفصيل في إطار هذه المعالجة الفنية. ومع ذلك لا يخفى على الكل، خطورة تبني وترويج مثل هكذا رسائل باسم الفن وأهله. لأن نشر صور كهذه في لونية فنية، تحمل رسائل عدائية مقيتة، لا يمثل إلا انتهاكا للخصوصية الذاتية من ناحية، والإقدام على توظيف الإرث والتراث والفلكلور في غير محله من جهة أخرى، ما يعطي مندوحة أخلاقية وقانونية لأصحاب تلك الصور، الدفاع عن خصوصيتهم المنتهكة، بشكل قانوني وبالطرق التي يرونها مناسبة.


 

الملاحظة الثانية:

المبنى الذي تم اختياره؛ ليكون خلفية للشخوص آنفي الذكر، لا يمت بصلة إلى البيئة البجاوية الأصيلة، ما يعني أن الخلفية، لم تكن هدفا، بقدر ما كان (العلم الخاص بدولة إرتريا)، والذي وضع بشكل متعمد ومقصود. وأن حشر الرمز أي (العلم) في هكذا قضية، تعني الإساءة للعلم الوطني المعترف به في الأروقة العالمية، والذي يمثل رمزا لتضحيات بطولية خالدة. وفي ذلك أكثر من دلالة، منها: التلاعب بنضالات الشعب الإرتري، والذي يعني أيضا استهتار بالقيم الوطنية، كما أنه يمثل سقوطا سياسيا، يضاف إلى سقطات زمرة الحكم في إرتريا، وتصرفا غبيا، سواء كان ذلك باسم الفن، أو التعبير عن حرية الرأي الشخصية. ولا يغيب عن فطنة المتلقي، أن الهدف من هكذا عمل غير وطني، لم يتم إلا لأغراض ومصالح سياسية ضيقة، لا تعني الإنسان البجاوي في شيء، ولا تعني إرتريا أيضا في شيء، سيما وقد تعمد المخرج تثبيت الملاحظتين لفترة زمنية فنيا؛ بهدف تأجيج العواطف أكثر، وإحداث أثر نفسي إنفعالي، ودغدغة المشاعر، وإحداث تأثيرات وجدانية متهورة وإذكاء أوارها بعئذ.


 

الملاحظة الثالثة:

استمات الفنان (ودعافة) في زعمه، بأن المنطقة كلها، سواء في شرق السودان أوغرب إرتريا، هي ملك لقومية واحدة دون غيرها، ويعتبر ذلك تدليس وتزوير لحقائق جغرافية وتاريخية، وليا لأعناق الحقوق والثوابت التي لا تقبل مجرد نقاش حولها فضلا عن قبولها كمسلمات. والقصد من ذلك كله أيضا، هو إشعال أوار الاقتتال القبلي والأهلي في المنطقة؛ ومن ثم تحقيق مكاسب سياسية رخصية لصالح الجهة التي تقف وراء العمل غير الفني وغير الإنساني، فضلا عن القضاء على التلاقح الأهلي والتعايش الأهلي والقبلي والعرقي، التي يتميز بها إنسان المنطقة منذ قرون.

الملاحظة الرابعة: حاول الفنان في قصيدته، المسؤول الوحيد، عن مضمونها ورسالتها، سواء كان هو الذي كتب اللون العدائي هذا، أو كُتبت له، رغم أن اللون الشعري للعمل، يشبه فيما نشره (ودعافة) من قبل، سواء ما ظهر به، في مدح الرئيس العراقي الأسبق/ صدام حسين رحمه الله، والتي صب فيها، جام غضبه على فئة من فئات الشعب العراقي، أو غيرها.


 

عموما وبالعودة إلى موضوع رسالة (ودعافة) الأخيرة، فقد كانت كبرى كبواته ومزالقه، أن ربط شأن قومية معينة وتحديدا (البني عامر) في المنطقة – وفق زعمه – بما يعانيه الفلسطينيون في دولة إسرائيل، وهذه المقارنة والمماثلة غير الرشيدة وغير المنطقية وغير الموضوعية، لم تأت لمجرد نزوات شعرية فحسب، بل جاءت عن قصد، للتغرير بأبناء القومية، التي يزعم أنه يدافع عن مصالحها، سيما وأنه قد صورهم، كما لو أنهم في وضع إحتلال واستعمار من القبائل الأخرى في المنطقة، بالتالي دعاهم إلى استرداد حقوقهم بمثل ما يُقدم عليه الفلسطينيون، وهي دعوة مرفوضة ومقارنة في غير محلها إطلاقا، بل تعبر عن سقوط فني، وجهالة وخبث كل من شارك في إخراج هذا الخطاب العدائي الشيطاني المقيت، وليس كما زعم شاعر ومؤدي الأغنية سالفة الذكر الفنان ودعافة.


 

جملة من الملاحظات، لا يتسع المجال للحديث عنها، لكن بكلمة نقول، إن مثل هكذا أدلجة للفن، والتغرير بالبسطاء وآل الغفلة الفنية لدفعهم، إلى تبني هكذا خطابات عدائية باسم هذه القبيلة أو تلك، لا يشبه إلاَّ نظام أسمرا فقط لا غير، والذي لن ولم يتوان في زرع بذور الفتن القبلية والأهلية، بين مكونات التمازج العرقي والتداخل الإثني والتلاقح القبلي في كل من إرتريا والسودان.

إن تجارب نظام أسمرا السياسية الطائشة، أكدت أنه لا يألوا جهدا، في إشعال فتيل الحرب الأهلية بين القبائل والشعوب الممتدة بين إرتريا والسودان، وضرب النسيج الاجتماعي والقبلي في المنطقة في مقتل، وأولها إرتريا. هذي التي فرغ من وضع كل ألغامه على أرضها، ونار الاشتعال الإثني والعرقي، في عمومها، ومن ثم المنطقة برمتها، فهي قاب قوسين أو أدنى، من ذلك الاشتعال، وذلك عبر ممارساته غير الحصيفة، وعربدته السياسية لأكثر من ربع قرن. وقد درج نظام اسمرا أبدا، للتأثير على القرار السوداني، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، من خلال الامساك بملفات سودانية، يبذر فيها بذور الخلاف، ويضع في أجندتها إختلالات بينية، سيما البوابة الشرقية على وجه التحديد، على غرار ما لعبه طوال عهد الإنقاذ المنحل البائد. وما ملف جبهة الشرق، التي مثلت فكرة تكتيكية إرترية، ومن ثم نالت رعاية وسقيا إرترية، وأفرزت مولودا سودانيا مشوها، خارج من رحم الشرق النازف، دليلا على هكذا تدخل سافر سافل لنظام أسمرا في الشأن السوداني. حيث لا يزال شرق السودان، يؤن ويدفع فواتير تلك العربدة السياسية للنظام الدكتاتوري في أسمرا.

موسيقى

الفنان إبراهيم (ودعافة) الذي لم يعد معافى أخلاقيا وأدبيا من خطاب كراهيته.

تنويه:

قدمت المقالة أعلاه، ضمن برنامج (نافذة ثقافية) لصالح إذاعة إرينا الدولية.ب