بقلم:  صالح كرار 
     6/11/2019          
salehkarrar@Gmail.com

 
 
 
 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

هل لنا أن تسائل عن " رغوة سوداء "


لست أديبا ولا من نقاد الأدب ولذلك لا تتجاوز هذه الأسطر كونها  من منظار الثقافة العامة أي  ليس ما أقوله هنا من باب الخبرة و المعرفة المهنية في نقد وتقييم النصوص الأدبية . وما أعنيه هنا هو رواية الأستاذ حجي جابر "رغوة سوداء " التي تميز بها ونال جائزة " كتارا للرواية العربية " في قطر . التعريف بالرواية حسب ما نقلت قناة الجزيرة : " يهاجر داؤود الإرتري إلى إثيوبيا يعمل مع المؤسسات الغربية وينتحل إسم ديفيد بدلا من داؤود لعله ينجح في الهجرة إلى أوروبا لكنه يفشل في مبتغاه ؛ وعندما يسمع بخبر نقل فوج من يهود الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل يغير إسمه إلى داويت ليحصل على ما يريد ، فمن داؤود إلى ديفيد إلى داويت ينتقل بنا بطل حكاية حجي جابر في روايته رغوة سوداء من مكان إلى آخر أبرزها تلك التى حطت رحالها في فلسطين " ويقول حجي جابر في التعريف بالقصة وبطلها حسب ما نقلت الجزيرة  :" رغوة سوداء لأنو الشخص في كل مجتمع مرّبه بدءً من بلدو كلما حاول أنو يغوص في عمق المجتمع كان يلفظه إلى السطح  فهومثل الرغوة " .

لا شك أنه عمل مقدر فرح به كل الإرتريون وأشتعلت به مواقع التواصل الإجتاعي ومواقع الإسفير كلها ؛ ووزع في فيديوهات مختلفة مما يؤكد فرح الإرترين به وشغفهم وعطشهم الشديد لرؤية إبداعات أبناء الوطن ولا شك أن الكثير منا رأى فيه تصويرا وإنعكاسا  لنضالنا وجراحنا وأحلامنا الجميلة مع أنه من قرأ هذه الرواية حتى الآن ربم يحسب على أصابع اليد .

أن يتجاوز إبن وطنك الدوائر الضيقة ؛ ويتميز في الدوائر الإقليمية والعالمية هي بالتأكيد أمنية كل منا وحلم كل مخلص لوطنه وخاصة في الجانب الأدبي حيث يصبح وثيقة تأريخية وسجل نضالي تتناقله الأجيال وتتواصل به الشعوب .

إن الوصول إلى مثل هذا الإنجاز لابد وقد تخلله جهد مضني وعمل شاق والكثير من الصبر والمثابرة ؛ وهو ما يستوقفنا لنسجل لحجي جابر إكبارنا وتقديرنا وشكرنا وثنائنا .

ومع ذلك تستوقفنا بعض الملاحظات حسب الملخص الذي سمعناه من صاحبها وما تداول عنها عامة .

فمثلا داؤود الذي هو مسلم في إرتريا ثم بعد الهجرة إلى إثيوبيا يتقمص  النصرانية فينتحل إسم  ديفيد  ثم يهاجر إلي إسرائيل ضمن الفلاشا فيسمي نفسه داويت متقمصا اليهودية الإثيوبية .

فهذه السطحية التى يعيش عليها والتى تجعل منه مثل الفقاعة على سطح السائل سرعان ما تزول بلا أثر ليشكل رغوة أخرى في سطح آخر وهكذا في دوامة ربما بلا نهاية .

هذه الصورة تعني لنا الكثير كإرتريين وإن راقت لبعض المانحين وتطابقت مع صورة نمطية مزيفة يحملونها عنا وجارت تصورات يحصروننا عليها .

ما فهمته  من هذه القصة أن الإرتري بلا مبادئ ولا قيم ولا عقيدة ولا دين كل ذلك بضاعة يمكن أن يرمي بها في عرض البحر ثم يتقمص ما يمكن أن يعرض به نفسه في سوق جديد حتى لو كانت تلك البضاعة دينه ومبادئه وقيمه وأخلاقه .

" فهل كما سموه داؤود الإرتري" شريحة في المجتمع الإرتري فعلا موجودة حتى يكون نموذجا يعرض ويعكس صورة واقعية عن حال الشباب الإرتري البائس ؟ في رأي حتى إن وجدت هذه الحالة لا يمكن أن نجعل من قاصية الغنم انموذجا .

ويلاحظ أيضا أن الرواية تعكس روحا محبطة يائسة قنوطة ترى الحياة بمنظار أسود تعيش شخصيتها حياة ظلامية متقلبة ملفوظة ؛ سرعان ما تنسلخ من جلدها على عكس ما يعرف به الإرتريين من جلد وصبر يشع بالآمال والبشريات .

قد يكون للكاتب مآربه من ذلك وتصوره في رسم صورة مكبرة صورة عاطفية درامية عن معاناة الشباب الإرتري وما يلاقيه من أهوال ؛ لكنه في اعتقادي جانب الصواب حيث ما رسمه لا يحمل أي من ملامح الإرتريين .

لا أحد ينكر حالة الغثائية التي يعيشها الإرتريون في بلدهم وخارجه وأنهم يعيشون على هامش المجتمعات لكن التعبير عن هذه الغثائية حسب " رغوة سوداء " فيه الكثير من المبالغة بل والتجني على الإرتريين حسب ظني .

- فالرغوة أو الغثاء يعني خفة وسطحية يستحيل عليها الولوج إلى المجتمعات والتمازج والتفاعل معها وهي عكس صفات الإرتريين الذين يعرف عنهم سرعة التأقلم والإنصهار مع المجتمعات فضلا عما يتميزون به من حب العمل والإنجاز المميزوالأدب وحسن الخلق وإلتزام القيم النبيلة .

- والغثاء حسب القرءان يذهب جفاء أي يندثر ويضمحل أي لا فائدة ترجى منه وكذلك في السنة ؛ وحسب " رغوة سوداء " الغثائية يشبه بها حال الإرتريين ؛ لا أرى أنه وصف يطابق الحقيقة ، فهم أينما حلوا لهم حضور ملحوظ في كل مجالات الحياة بل وجدنا منهم في تلك البلاد النائية من يُقدم في الإدارات المختلفة ناهيك عن الأنشطة الأخرى التي يبدعون فيها وفي شخص حجي نفسه خير دليل .

هذا إن صدقت قرائتي لملخص القصة فأنا أجد دائما صعوبة في فهم الكثير من الأدب وقد سألت استاذ اللغة العربية وأنا في المرحلة الثانوية أني لا أفهم الكثير مما أقرءه من الشعر العربي الحديث فقال: نعم هناك أشعار لا يعرف معناها حتى من كتبها ؛ ومع ذلك أطرب للبيان الآسر عند محمود درويش وأمثاله حيث وضوح المعاني وإحكام الصنعة ؛ وأمرُ على معارض الرسم فأتسائل عن بعض اللحوات الفنية ؛ أليس لو قيل لي أن طفلا عبث بالألوان وهذه لوحة له لصدّقت ؟ ؛ لكني أجد من يستخرج منها معان ويفسرها وكأنها خريطة العالم يخبرك عن شعوبها وثرواتها ومميزاتها ؛ ولكم في " مونا ليزا" وماكتب عنها أقرب الدليل ، فُسرت تلك الملامح بتفصيل دقيقة وممل .

يتميز الإرتريون بالعزيمة والحزم فمهما كانت العثرات ينهضون ولا يستسلمون ولهم من الصبر ما كلّه الصبر يحملون بعد ذلك كل القيم النبيلة والأخلاق الرفيعة فجانبهم مأمون لا يغدرون وجوارهم محفوظ لا يخونون فهي صفات مأثورة عنهم في البلاد التي يشكلون فيها نسب عالية مع أنه لا يخلوا مجتمع من هنات وزلات .

هذه هي المعاني التي نبحث عنها في أدبنا ضمنا أو تصريحا ؛ وقد قرأت قصة صالح للأستاذ محمد سعيد ناود وأنا في المراحل الثانوية فكنت أقرأها وكأنها شاشة فيديو تعرض علي الأحداث ربما لأنها كانت تصور الواقع بلا ترميز .

مع كل ما يمكن أن نقوله عنها " رغوة سوداء " هي صورة من سجلنا الكفاحي وفوق كل ذلك شهادة يحملها الإرتريون عن الجد والإجتهاد ووثيقة تعرف بهويتهم الثقافية التي يبارون بها ؛ على أنهم هم من يعرفون بأنفسهم ولا تخضع الهوية لأحكام الغلاة ممن قد ننتقص نحن ونقدح في إنتمائهم الثقافي العربي ؛ وبالمثل أولئك الذين يريدونا أن نتنكر لإنتمائنا التاريخي وهويتنا الثقافية وجنسنا البشري ويقنعونا بإنتماء قاري لا وجود له حقيقة حيث القارة سكن كل الأجناس ، شعوبا وقبائل وثقافات متعددة مع أنه لا يمكن إنكار التمازج العرقي والحضاري وحيث الكل يحتفظ بهويته .

أعتذر إن خانني التعبير أو قصر فهي عن استدراك مسالك الرواية ومراميها ومع ذلك يبقى النقد مرآة تعكس صورا جانبية أو جوهرية يرى من خلالها الكاتب تصور الآخرين وشعورهم بعمله ؛ ونسأل الله أن يوفق حجي جابر وجميع الشباب الطموح في الإنجاز .

والله المستعان وعليه التكلان

صالح كرار      6/11/2019           salehkarrar@Gmail.com