الخبير الإعلامي الشاعر: أحمد شريف

11/05/2018

 
 

  منبر الحـــــوار

 

مُحتفِلُونَ بـ (مايو) ولكن.....
 


كُلَّما أطلَّ شهر (مايو – أيار) تتأزم حدة الخلاف بين المكونات الإرترية المتباينة ذروتها، لتصل أبعد درجات ما شجر بينها طوال العام على الأقل. اختلافات تتبدى بشأن الاحتفاء بـ (مايو) كذكرى للاستقلال أو خلافه؟ سيما في السنوات الأخيرة التي شهدت ارتفاع سقف المماحكات السياسية والاستقطابات المتشاكسة؛ لتكون إرتريا واحدة من بين الدول التي يعيش مواطنوها فرقا وزُمرا متعاركة في غير معترك!! فإذا كان البعض يغرق في حلبة ابتهاج وفرح غامر؛ فقط لأن (أيار) وبكل تسآؤلاته واستدراكاته، يمثل حلقة زمنية وصلت بالنضال الوطني إلى مبتغاه، دون النظر عميقا إلى مستحقاته ودلالاته القيمية، فضلا عن التطلعات السياسية والاقتصادية والثقافية للشعب، باعتبار أن هذه القضايا أضحت ميؤوسة من تحقيقها واقعيا؛ بحكم غياب (الوعي الجمعي الوطني)، بالتالي فضلت تناسي ذلك كله تماما! وهي مسألة غريبة جدا!!! آخرون وصل بهم الحال، حد اليأس والاحباط، فلم يجدوا بُدا من الاعتصام بخنادق المواقف النضالية المستميتة في الدفاع عن فكرة أن (ما تحقق على احتراب وطني، فهو غير وطني بالمرة)!! وفريق آخر أرجأ فصل حكمه في شأن (قومبوت) إلى أجل غير مسمى، مؤكدا شرعية الاحتفاء بـه، مع عدم قلب الحقائق الماثلة إلى إنجازات وهمية، وعدم المبالغة في طريقة إحيائه، دون التشكيك في استحقاقاته الوطنية الغائبة أو المُغيبة عمدا!!! وفئةٌ أخرى كفرت بآراء هؤلاء وهؤلاء، فرأت شيئا آخر، وتعيش دنياواتها الفسيحة!!!!.

هذا الفسيفساء العجيب في الرأي والرأي الآخر (الإرتري) لم يعد محصورا في جلباب (أيار) وحلباته فحسب، بل انسحب على المشكل الإرتري برمته (هوية وطن ومواطنة وانتماء)، وفي ذلك تبدو الحيرة أكثر قتامة. ذلك أن شعبا كهذا تاريخه كله، مسطر في سجل (النضال السياسي والثوري)، ورغم ذلك لم يتمكن حتى تاريخه، من حسم قضايا هي من المعاصرة الوطنية محسومة بالضرورة! بمعنى التوافق على قواسم ومبادئ وطنية مثل (من نحن؟ وما هي المبادئ والأسس الوطنية التي تجمعنا؟ ما هي قواسمنا المشتركة وغير المشتركة؟ وهل يمكن الاتفاق على كيفية إدراة القواسم تلك؟ إلى آخر القضايا الجوهرية التي لم تُحسم أمورها طوال الفترة الممتدة لأكثر من نصف قرن. بالتالي فإن كل هذا التوهان (السياسي والوطني)، ما هو إلا انعكاس حقيقي، لعدم تمكننا من حسم تلك القضايا المشار إليها أعلاه، وهي بالطبع جزء من قضايا جوهرية فرعية، ظلت تجر قاطرة الوطن إلى الخلف، رغم ما تحقق من انجاز على الصعيد الشكلي لا غير.

وفي معمعة هذا التباين الوطني، وتململ سفينة الرؤى للإخوة الفرقاء، بين (الغرق أو الوحل)، يحق لنا أن نتساءل: كيف يمكن تفسير ظهور أفكار ومشاريع قديمة، مثل (مشروع الكنفدرالية بين إرتريا وإثيوبيا محصلته إتحاد كامل)؟ سيما وأن الفكرة من ترويج شخصيات إرترية لها صوتها المسموع على الأقل في الأروقة التي تحركها، يعني المشروع القديم الجديد!! مع وجود مشاريع أخرى هي من الخطورة بمكان أيضا، قياسا بمهدداتها للنسيج الوطني. هذه اللحمة التي تأبت أن تلتئم حينا من الدهر بل طويلا!! البعض يؤمن اعتقاد منه ليس إلاَّ، أن إرتريا تجاوزت مهددات (تجزئة الكيان الإرتري)عمليا؛ فقط لأنها قدمت أرتالا من الشهداء إلى آخر مؤشرات الوفاء. لكن آخرين يستشعرون واقعيا، بأن الفكرة هذه، لم تتجاوز الحالة الذهنية لدى البعض، سيما ونحن لم نتمكن من تأكيد (إجماع وطني) في قضايا هي من الأهمية بمكان أولا قبل كل شيء، مثل (مفهوم الوطن والمواطنة) وأيضا (مفهوم الدولة والحكومة ومكوناتها) كذلك (الممارسة السياسية الشاملة) إلى آخر القضايا التي لا بد من حسمها للضرورة الوطنية، أو على الأقل وضعها على طاولة التناول الموضوعي والنقاش الجاد، بالتالي، فإن الاحتفاء أو عدم الاحتفاء بـ (مايو)، ليس أوْلى من (الوفاق الوطني) المشتهى والمُتبغى، ولكن كيف؟ في ظل أشياء وأشياء!!!
يتبع