هنا يجد القارئ نفسه امام عمل ادبي كبير في غاية الروعة والجمال ، فقد صور الكاتب قصة الشعب الارتري مع الاستعمار الاثيوبي البغيض من خلا مأساة "عونا" وما خلفته تلك المجزرة البشعة من ترسبات احزان تتجدد في هذه القصة، في فصول حافلة بأحزان ودموع وضياع .. للتحول مع مرور الزمن الى "جرح الذاكرة"...
فالقصة وان كانت تدور حول مأساة الفتاة "زهرة" التي ابيدت اسرتها في مجزرة "عونا" التاريخية الا انها في الواقع الامر هي قصة كل المآسي والمجازر التي تعرضت لها كثير من المدن والقرى الأرترية (حرقيقو - عد ابرهيم – عايلت – اغوردات – بسديرا – وكي دبا وغيرها)..
في واقع الامرنجد قصتان..يسيران في خطين متوازيين ..قصة الشعب الارتري مع الاستعمار وقصة "زهرة" و"منصور"...والتنقل بين القصتين احيانا يتم بطريقة - الكر والفر - ممايفقد القارئ احيانا توازنه ..فلحظة انت في "قندع" في رفقة المناضل "عثمان ابوشنب" والمجندين الجدد..ثم فجأة تجد نفسك في "عونا" حيث مسرح قصة "منصور" و "زهرة"..ويربط بين القصتين لغة فصحة في غاية الجمال تجعل القاريئ اسير الرواية حتى النهاية ...
الجانب السردي والجانب اللغوي
الرواية في جانبها اللغوي:
يصلح هذا الكتاب ان يكون كتابا مدرسيا يستفيد منه طلاب اللغة العربية لما يحمله من مفردات لغوية جميلة واوصاف معبرة ومتعمقة واسلوب لغوي ملفت.
بل ويمكن ان يستفيد منه اصحاب الاعمدة والمقالات لترميم وتعبئة مخزونهم اللغوي بأضافات لغوية ثرية ..واسلوب سرد ساحر وانيق (شخصيا اعترف انني سوف اعود لهذا الكتاب بين الفينة والأخرى).. فمثلا نقراء:
خرير النهر
شقشقة العصافير
هفهفة النسيم
الرياح تزمجر
كما نلاحظ اسلوب مناقض للمألوف يستخدمه الكاتب لشرح (تبرير) موقف ما فمثلا يقول "القضارف مدينتي الآسرة ، ولا اريد ان اتحدث عنها كثيرا حتى لايخال انني لست منها" ..المعروف هو ان الانسان غالبا ما يتحدث ويتباهى كثيرا عن مدينته التي هو منها..
والاسلوب نفسه نقرأه في حديث "بهدوراي" في مقهى الشروق في قلب العاصمة اسمرا.. "سرد موجع لكنه ممتع"..موجع وممتع في آن واحد..

الفرق بين الجانب السردي (الاحداث) واسلوب السرد (اقصد الجانب الأدبي) هو انه يمكنك الأستغناء عن الرواية التي تعتمد على الأحداث والجانب السردي فقط متى ماوصلت الى نهاية القصة ونادرا ما تعيد قراءة رواية طالما عرفت النهاية..
اما العمل الادبي واسلوب اللغة الجذاب فلا تمل منه، وقد تعود اليه لتتزود به، بل قد تتخذ منه منارة تستعين بها عند التيهان في دهاليز اللغة ، انه كالوحة المعلقة على جدران منزلك، تجدد نظراتك اليها كلما عدت من السفر، ويزداد اعجابك بها مع الايام ..
وجدت في رواية "جرح الذاكرة" اسلوب ادبي في غاية الجمال ولكن هذا السرد بمسحته الأديبة الجذابة جاء على حساب انسياب الرواية فقد افتقرت الى احداث كانت حتثري الرواية ،كما عابها بعض الفجوات ..فمثلا نقراء القليل جدا عن حياة "زهرة" في الغربة بعد لجوئها الى السودان ..ولانعرف اين كانت "زهرة" طول مدة العشرون عام، اي مابين دخولها للسودان وحتى ظهورها المفاجئ في ملبورن بصحبة "لؤلؤة" الصومالية؟
نعود للجانب الأدبي، فهناك اوصاف في غاية الجمال نقتبس بعض منها..
" ذلك لأنها حين باغتها مخاض الحزن واستبد الأسى بها ، آثرت ان تنزوي بعيدا عن امها واخوتها الصغار حتى لاتحرك في نفوسهم كوامن الحزن والالم الدفين"
وواصفا "عونا" يقول..
"كانت –عونا- في ذلك الخريف قد تزينت بخضرة شاملة، ولبست اشجار السدر ثيابا من الخضرة اليانعة ، وتفتحت الورود والزهور على مرمى البصر...."

وعن احزان "زهرة" ..
"هطلت دموع الحزن من عينيها وجلست تبكي على نفسها وعلى الاخرين الذين تفقدهم الواحد تلو الآخر ..."

وعن كرن..
"كرن" مدينة تصارع الموج وتبحر عكس التيار ، وهي في خضم هذا الصراع الرهيب لاتنفك باسمة الثغر ، وان بدت حزينة العينين.."

وها هو المناضل "منصور" ابن "عونا" وفارس احلام "زهرة"..
يبكيها شعرا ..
رفقا بمن رام الوصال عد ايها الظل الندي
عُد ياربيع العمر من سكة السفر الطويل
بلل يباس الشوق، غادر محطات الرحيل
الخ...)

وفي مكان أخر نقراء كلام جميل:
"نثيث المطر واقواس قزح ، حفيف الأشجار وشقشقة عصافير البلوم ، هفهفة النسيم الهادئ ، وتقاطيع وجهها المسربل بالحزن الشفيف..."
وعن علاقة "زهرة" بـ "منصور" او علاقة "منصور" بـ "زهرة" نقراء:
"لم تلج تلك الصبية يوما في افق حياته كأنثى يشتهيها ، بل تجسدت فيها المعاني والاحلام التي كانت ترف في عينيه كعصافير الخريف النشوانة بالفرح والحبور فـ "زهرة" هي "عونا" وهي الزمن الجميل هي ذكريات الطفولة ، ومراتع الصبا ولحظات الصبا والانبهار..."

نجد وصف بالغ الدقة والجمال لـ "عونا"
"عونا المنتصبة فوق التلال بقامتها المشرئبة وظلال اشجارها الوارفة ، اسراب الطيور العابرة وهي ترفرف بأجنحة الفرح فوق المزرعة المتأخمة لدارهم عند اطراف القرية ، الغيوم التي تلهو وتزحف بكسل فوق الهضاب والقمم الشاهقة ، قطرات المطر الناعم وهي تنقر برفق على اعشاش الطين القديمة ، ضياء الغروب الشاحب حين تلفظ الشمس انفاسها ، امها التي انطفأت مثل شمعة ذابت في صمت وسكون..."

وعن مرارة فراق الوطن:
"فسوف تنأى خطاي بعيدا عن ضفافك
وسأعود في اغوار مأساتي
وامنحك حزنا لاحدود له
ثم امضي مبحرة في فضاءت الذكرى
والتفاصيل الحميمة..."

وقد صور الكاتب ماحل بـ"عونا" في سطور فوتوغرافية ..وانها لم تكن مأساه انسانية فحسب بل كانت كارثة استنكرتها الأشجار والطيور ...(كما غنى الفنان السوداني علي ابراهيم: حتى السواقي بكت شاركتني احزان وداعها)..فنقراء:
"يا للهول لقد تلاشت – عونا- من خريطة الكون ولم يبق منها شيئ سوى الرماد...كانما تبخرت وتصاعدت دخانا...ارتدت الفراشات ثوب الحداد وما عادت قطرات الندى الرقراق تلثم خد الزهر ..حتى طيور الحباري غادرت اوكارها ، واكتست ازهار الياسمين لون الرماد ..وزحفت الشمس خلف الروابي ، منكسرة حزينة..."
ويلمح القارئ صورة وجيزة عن بعض مظاهر وتقاليد اهل مدينة "كرن" ، كالذهاب الى ضريح "سيدي بكري" وتقديم القرابين..وهذا الجانب يعكس مدى تعمق الكاتب في البحث والتنقيب عن الجوانب التراثية والتاريخية للمدينة، قبل ان تتعرض لرياح التغيير الأجتماعي والسياسي.

ملاحظات حول القصة :
1 - هناك عدم وضوح في تسلسل الاحداث ما بين اغتيال "منصور" للجاسوسة "بركة "والتحاقه بالثورة، واستلام "زهرة" لرسالة منصور، ثم حريق "عونا" ..
وهل كانت "زهرة" تحس بالذنب لانها هي من دفع "منصور" الى الثائر من "بركة" وهل كان ذلك سبب المذبحة التي تعرضت لها "عونا" نقراء ذلك في السطور التالية:
"لم يكن يساورها الشك في وفاء "منصور" وصدق عزيمته، لكنها انغمست بكل حواسها في تحليل السيناريو القادم ، فهل سيمر الحدث كما تمر النكبات ...وهل سيكتفي الأعداء بتأبين عميلتهم..."
2- المعروف ان "منصور" و"بهدوراي" كانا ضمن صفوف جبهة التحرير الأرترية،وليس واضحا كيف اصبحا ضمن صفوف الجبهة الشعبية..
3- ماذا حل بـ "هاكين" الذي هب لنجدة "حليباي" حاملا سيفه..
4 – هناك فجوة زمنية كبيرة – حوالي عشرون عام - مابين دخول "زهرة" الاراضي السودانية وظهورها في ملبورن..هذه الفترة نتعرف عليها من خلال ذكريات "زهرة" وهي عائدة الى فندق نيالا بعد ان فقدت الامل على العثور على "منصور"..ولكن بشيئ موجز. هذه المدة لربما كانت اثرت الرواية ..
وللحروب الاهلية ومراراتها نصيب في الرواية ولكن باسلوب متناثر وعلى شكل خواطر ..فنقراء مثلا:
"اول خاطرة سجلتها وهي تغادر مكرهة حين قرر هابيل ان يتخلص من شقيقه قابيل بالبندقية نفسها التي دربه على استخدامها وتصويبها على صدر العدو..."
وفي مكان أخر نقراء "بكت حشنيت شهدائها ...كيف هب الاعصار يوم ذاك ومن الذي اشعل الحريق .."
وموقف "منصور" من الحروب الاهلية يتلخص "سنزلزل الارض تحت اقدامهم ،وسنطهر الوطن من دنس الخونة الذين تمادوا في ايذائنا وطعننا من الخلف ..."
وتستلهم معان من اغنية الفنان الكبير ادريس محمد علي في نبذ العنف بين الاشقاء .."كيف ينزل المطر وكيف ينبت الزرع والام تبكي فلذات اكبادها المتحاربين وتصرخ كما الخنساء : قاتلة انا ومقتولة"
اما الموقف السياسي من النظام نجده في نقاش الشباب القادمين من الدول العربية:
"لقد جئنا بآمال عريضة تحطمت هنا على صخرة الواقع المزري، كأن هذا الوطن ليس لنا، فماذا ننتظر ..."
تميزت الرواية بأستخدام اسماء ارترية خالصة:
(ارها – هاكين – حليباي - ود قمش – اكابيبو – قرجبع – سلباتي..)
بعض كلمات الرواية ذكرتني بألحان سودانية:
وهي ان تنسى لن تنسى (عثمان حسين)
نار الشوق – (وردي)
عصافير الخريف (وردي)
سوف تنأى خطاي (الطيب عبدالله)
ختاما:
"جرح الذاكرة" قد وضعت مذبحة "عونا" في قالب ادبي بارع تمكن الكاتب من خلاله من تصوير الأحداث وكأن القاريئ يشاهد احداثها بأم عينيه اول بأول ... بل وقد اتخذ من مأساة عونا مقياسا لما يفترض ان يكون عليه الوطن بعد الاستقلال..
هذه الرواية هي من اجمل الروايات الأرترية ..ونتمنى لكاتبنا المبدع الاستاذ عبدالوهاب حامد المزيد من التقدم في دروب الابداع الأدبي ..