الخبير الإعلامي الشاعر/ أحمد شريف

18/05/2018

 
 

  منبر الحـــــوار

 

لِمنْ يُغالِطُ في الحَقائقِ نفسَهُ

 


بدايةً التهنئةَ الحارة إلى الأصدقاء والصديقات، بحلول شهر رمضان المبارك 1439هـ، تقبل الله منا ومنكم الصيامَ والقيامَ. العنوان أعلاه، شطرُ بيتِ شعرٍ لأبي المُحسَّد، رحمه الله في قوله : { ولِمن يغالطُ في الحقائقِ نفسَهُ – ويسومُها طلبَ المُحالِ فتطمعُ } وجدتُه أنسب عنوانٍ؛ للتعليق على ما أدلى به (سِيدَ الاسِمْ) السيد/ الأمين محمد سعيد، سكرتير الجبهة الشعبية للديمقراطة والعدالة (مع وقف التنفيذ)، في آخر تبدياتٍ له، صمَّ بها آذان الإرتريين في وسائل التواصل الحديثة.

ورغم أن مثل هذه التصريحات غير المسؤولة، ليست بجديدة في رصيد (الرجل) النضالي والسياسي، إلاَّ أنه من الأهمية التذكير هنا، ما أدلى به قبل سنوات في اجتماع عقده لأفراد الجالية الإرترية بالمملكة العربية السعودية مفاده: (إن إرتريا ليس بحاجة إلى مؤذنين إضافيين) استهزاء واستهتار بالدين (الإسلامي) الحنيف تحديدا، إلى آخر تخريفات ما قبل وبعد ذلك الاجتماع لمعالي (السكرتير!!) وقد وُصف تصريحه ذاك، بأنه تصريح لمسؤول حكومي غير حصيف بكل المقاييس، ولا ينم ذلك إلاَّ على نهجٍ سياسي غير راشد، لرجل هَرِم في مسرح السياسة. وقد عُهد عن (الرجل) تصرفات أُخر هوجاء كهذه من قبل. منها أنه خرج ذات يوم من مسجد الخلفاء الراشدين، والمصلون يتأهبون لقراءة آي من الذكر الحكيم على روح جثمان زميله ورفيقه في النضال وأخيه في الوطن والدين الشهيد/ علي سيد عبد الله، وزير خارجية (النظام) الأسبق رحمه الله، حيث كان قد وُضع جثمان الشهيد في صحن المسجد، والناس وجلين من هول المصاب، وحيرى من استشهاده المفاجئ الذي لا يزال طي التساؤلات، وهناك من لا يستبعد أنه أُغتيل وتم تصفيته في مؤامرة غير وطنية!! في هكذا ظرف، خرج (السكرتير) من المسجد مستخفا صدى تصرفه ذاك في نفوس من ينتمي إليهم دينا ووطنا كما أشرنا؛ باعتباره شخصية عامة، سلوكها دوما تحت الرصد والمتابعة. (الرجل) وبكل (غباء) سياسي، جلس كالشيطان وحيدا، مُشعِلا سيجارته، نافثا دخانها باتجاه المسجد دون أي إحساس بالموقف الذي هز الجميع من الأعماق، ذاك هو (المناضل!) و(الكاتب!) و(المسؤول!) و(الوزير!) و(السكرتير!) الهائم في سيجارته والناس تنظر إليه، في حالة من الاندهاش والاشمئزاز؟

كثيرة هي المواقف التي وضعت (الرجلَ) في خانة اللاشيئ وعدم الاحترام من الجميع، حيث إن قمة النجاح في الحياة، تسجيل مواقف وبطولات في زمانها ومكانها الصحيحين. (السكرتير) عُرف بتصريحات هوجاء، وانكسارات متتالية حتى أمام مَن هو أقل منه درجة في النضال أو النفاق! أو مكانة في السياسية! سلوكه العام يؤكد بأنه شخصية لا تعتز بتاريخها، تجده دوما في خانة الظل بمناسبة أو غير مناسبة. ويكفي الإشارة هنا، أنه كان (الوزير) الأضعف والأهْون والألْين من بين جميع الوزراء الذين عاصرناهم في وزارة الإعلام. صحيح لم يقض في الوزارة طويلا، مسؤولا لأمانة الثقافة والإعلام لفترة ما بعد التحرير، إلاَّ أن سيادة (معاليه) مرَّ كما يمر المتدرب أو الزائر في أروقة الوزارة!!!

 

إذا ليس غريبا أن يأتي (الرجل) ليقول في صيف عمره المتهاوي ( إرتريا هي الدولة الوحيدة في العالم تُراعِي حقوق الإنسان !!!!). في تنافر مع نفسه أولا، ومغالطة للحقائق بطريقة غريبة ثانيا. رغم أنه العالم علم اليقين، بسيناريو المؤامرات التي اقتادت زملاءه بل إخوانه في النضال، وساقوهم مع الأسف إلى مصير مجهول، في بلدٍ سكبوا في ربوعه أزهى أعمارهم، وقدموا أرواحهم قربانا؛ ليكون جزاؤهم جزاء (السكرتير) يوما ما عندما تحين - لا قدَّر الله - لحظة سوقه سوقا إلى حيث لا رجعة مع الأسف؛ ليشرب من ذات الكأس الذي سقى بها أسيادُه زملاءه وإخوانه بل وعشيرته !! لمْ يستح (الرجل) في ادعاء أن إرتريا تمثل البلد الوحيد صونا لحقوق الإنسان في العالم!! إنها مفارقة غريبة في بلاهتها!!! ولكن المستغرب أكثر، أن (الرجل) يصف زملاءه المغيبين الشهداءَ، بأنهم أجرموا في حق الوطن والشعب، بالتالي سقطوا واحدا بعد الآخر، كما وصفها (بطل زمانه) في اللازمان!! هذا (الرجل) لا يتعلم من تجاربه السابقة، ولا من مصائر أقرانه، شاخ في إدمان الطاعة! وهَرِم في الركوع والسجود لغير الله! أنفق ثلاثة أرباع عمره، في إرضاء قائده (المُلهم) حتى أوشك دعوة الناس إلى عبادة ما يؤمن به، وهو في أرذل عمره السياسي!!بالفعل نعيش زمن قلب الحقائق والمغالطات حتى مع النفس.

ولعله من البديهي، ومن المسائل التي أضحت معلومة بالممارسة السياسية في إرتريا، أن من يطيع أكثر، يكون جزاءه مثل (جزاء سنمار). كما أن من يحاول الاقتراب من نهار الحقيقة، أو ينتقد الحالة المزرية التي تعيشها إرتريا، يكون جزاؤه ذات الجزاء الأوفى، بالتالي كان من الأفضل لمعالي (السكيرتير) أن ينال شرف المواجهة، بدل أن يظل ظلا ذليلا، أمام ظالم جائر لا يحتاج منه شهادة تبرير أفاعيله التي لا تشبه (المستعمِرين) الذين مروا بإرتريا كما سيمر هذا (المستعمِر الوطني). للتاريخ فقط ليس إلاَّ، نقدم ترجمة كاملة للجزئية التي حاول (السكرتير) فقأ أعين الناس بها، ومن ورائها أحكام وأقدار سيشاهدها من يعيش. قال السكرتير (المبجل):
 

{ إرتريا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تحترم حقوق الإنسان، وهذا ما أؤمن به شخصيا. وعندما أقول احترام حقوق الإنسان في إرتريا، أعني ما تقدمه الحكومة الإرترية لمواطنيها في العيش بسلام، والنوم باطمئنان، والتمتع بأكل الأطايب، ووفرة المياه الصالحة للشرب، والحصول على خدمات طبية متكاملة، والعيش في أجواء بيئة خالية من التلوث!! وليس هناك أكبر من ذاك أبدا كحق من حقوق الإنسان أو الحرية، هذا ما أعتقده!!! نشاهد دولا عديدة يعاني مواطنوها المجاعة، ويرمون في الطرقات باسم الديمقراطية، فهل مثل هؤلاء يدافعون عن حقوق الإنسان؟ كيف وبأي معيار يمكن اعتبار ذلك صونا لحقوق الانسان؟ فإذا كنتُ أنام في بيتي بسلام مطمئنا، وليس هناك من يطرق بابي ليلا؛ ليزعجني أو ينتهرني كما يشاء، وإذا كان بمقدوري الانتقال من مكان إلى مكان آخر، كأن أسافر إلى مدينة كرن أو عصب أو مندفرا، وليس هناك أبدا من يسألني إلى أين أتجه! هل هناك حرية أكبر من هذا؟ هل يوجد شرطي يتابع تحركاتي وخطواتي ويسألوني عما أفعل؟ وماذا أشرب؟ ومع من أتحدث؟ هل توجد مثل هذه الملاحقات والمساءلات في إرتريا؟ لا توجد على الاطلاق!!

إذا كنا نود الحديث عن صون حقوق الانسان في العالم، فإن صون هذه الحقوق موجودة في إرتريا فقط !! في إرتريا تتوفر حرية الأديان والاعتقاد. ليس هناك دولة في العالم تتوفر فيها حقوق الاعتقاد والتدين، لكن في إرتريا هذه الحقوق مكفولة!! في دول كثيرة تدور حروب باسم الدين والقبيلة على سبيل المثال في الكنغو، ورواندا، وبروندي. فهل توجد مثل هذه الحروب في إرتريا؟ حروب عديدة تدار باسم الدين أو باسم العشيرة أو باسم الأنساب. لكن في إرتريا مثل هذا النوع من الحروب غير موجودة. وقد لا ينعدم من يقول بأن الحكومة تقوم بسجن المواطنين. نعم نقوم بسجن الذين يرتكبون جرائم، وكذلك الذين يقومون بنشر النعرات بين الشعب أو دفع الشعب إلى الجريمة، أو تقسيم الشعب باسم الدين أو القبيلة. في مثل هذه الحالات، لا نتردد بزج المواطنين في السجون. في السابق سجنا ونسجن أيضا الآن ، وسنقوم مستقبلا بذلك، ولن نخجل أبدا من ممارسة السجن، وذلك وفقا لمنهجنا السياسي}
 

أنتهى أعلاه مزاعم (السكرتير) الأمين محمد سعيد! الذي يتحدث عن إرتريا أخرى في ذهنيته وليست إرتريا التي يعرفها القاصي والداني. ولكن هل كان حضرته أمينا مع نفسه، وهو يدلي بالتصريح، بدعوته الناسَ لفهم عكس ما صرح به كحقيقة تعيشها إرتريا؟ هل كان يقصد ذلك؟ فإذا كان جناب (السكرتير) قصد ذلك عن عمدٍ وحمدٍ، فا شك أن (الرجل) قد وصل مرحلة من التطور السياسي، نكون مُجبرين على احترامه وتقديره، ويصبح (معاليه) أول شخصية في زمرة (المستعمِر الوطني) تؤسس لمنهج التعبير السياسي بالتورية؛ بهدف قراءة المشهد معكوسا أي الواقع المرير! وإذا كان ذلك لا يسعنا إلا أن نؤكد بأن جناب (السكرتير) قد ترقَّى مدارج متقدمة من الوعي السياسي، ما يعني أنه بالفعل أصبح أمينا في رسالته الوطنية، ومحمودا في تجلياته الحزبية، وسعيدا في عقبة أموره الحياتية. ولكن وألف لكن، فإن جميع تجارب (السكرتير)، وحيثيات تصريحاته، ووقوفه في ذات الخندق، وإدمانه سياسة الذل، كل ذلك أقرب إلى تأكيد، عدم تأهل عناية (السكرتير) لمثل هكذا نضج ووعي سياسي. بالتالي فإن الكفر بالحقائق الماثلة مع النفس، وبيع أمانة الشهداء، والمغامرة بمستقبل الوطن، والتنكر لحجم التضحيات، وخيانة زملاءه وعشيرته، تصبح سجية مترسخة في ذهنية (السكرتير). ختاما أتمنى صادقا، أن يرى الشعبُ (السكيرتيرَ) ولو ليوم واحد، أمينًا مع نفسه، محمودًا في قومه، سعيدا في عَقِبهِ!! ليتَهُ ليتَهَا.

رمضان كريم