19/12/2017م
 قلم / محمود اسفداي
28/11/02م
ارشيف عونا

 
 
 
 

  منبر الحـــــوار


المعارضة الإرترية .. والقوى الإقليمية
 


قد يبدو للبعض أن سقوط حكومة أسمرا بات وشيكاً، وأنّ أجنحة المعارضة الإرترية المتناثرة، لملمت أطرافها، ونظمت صفوفها، لتواجه الوضع المتدهور في إرتريا. لكن هنا من يرى أن حكومة أفورقي لا تزال قوية، مما يجعل تأثير الضغوط عليها غير فاعل، ومهما يكن الحال، فإن الأطراف المناوئة للنظام الإرتري لا تزال ضعيفة، حتى بعد التئامها الأخير واتفاقها على أمورا صعبة ربما تحدث للمرة الأولى في الساحة الإرترية. لكن هناك عدم فعالية، وبرامج تنفيذية تأثر على الوضع القائم، وتساعد على تغييره. الكثير من قادة التحالف الإرتري يتحدثون عن تشكيل حكومة جديدة في إرتريا، ويفصحون كثيراً عن برامجهم السياسية القادمة، ويجعلون وصولهم السلطة أمراً حتمياً ومرتقباً قريباً!. لكن كيف يصبح ذلك حقيقة نجدها واقعاً!؟ دون شعارات وخطب ستينية التي هي التمني دون الطموح والوصول. التحالف الإرتري لا يزال ميتاً وسوف يزّل ميتاً إذا سار على نهجه الغير تنفيذي، وإذا قرر الاعتماد كلياً على القوى الإقليمية التي لا تعرف الاستقرار على قرار سياسي يخدم مصالح المنطقة ككل، وليس مصالحها الأنانية فقط. وربما أن قرار انسلاخ تنظيم جبهة التحرير الإرترية (المجلس الثوري)، كان مبرراً في ظل الضغوط الإقليمية الواضحة علي قوى التحالف الوطني الإرتري، هذا إذا استبعدنا السباق والتنافس السياسي بين قادة المجلس الثوري والسيد/حروي تدلا. والقوى الإقليمية دورها مهم فيما يحدث، لكن الاختلاف يصبح في كيفية الاستفادة من هذه الدول دون الإضرار بالمستقبل الإرتري، وقراره السياسي المستقل. فكان أول خطأ سقطت فيه التنظيمات المناوئة لحكومة أسمرا هو عقدها لمؤتمرها الجامع في إثيوبيا، قد يتفهم الكثيرون ظروف انعقاد المؤتمر وما تفرضه السياسة من معطيات قد لا تسمح بغيرها. لكن كانت هناك ثوابت تم التعدي عليها وحدوداً وطنية تم المساس بها في ذلك المؤتمر، وتنازل كبار من يوصفون بسياسي إرتريا عن استقلاليتهم التي كانوا يرفعونها أمام الشعب الإرتري طيلة سنوات ماضية، والتي يعيبون النظام على ارتكابها . وإذا تساءلنا من المستفيد من ذلك؟، فأنا ردي الأول يصبح الحكومة في أسمرا. والسبب أن اليوم الثالث من انعقاد المؤتمر كانت الإذاعة الإرترية (الحكومية) تتابع ما يجري وتذكر "أن مجموعة من الخونة تجتمع مع العدو الإثيوبي في أديس أبابا كل ذلك ليساعدوا العدو والنيل من استقلال إرتريا" ربما ذلك غير صحيحاً من وجهة نظري ومن سواي أيضاً، لكن الواقع في داخل إرتريا يقول لا بل ذلك صحيحاً، ذلك لأن الدوافع لا مجال لها في هكذا أمور، ولا أحد مستعد لتفهمها، بينما أنا وغيري والكثيرون نتفق على أن التعاطي السياسي لا يُسقط ولا يتعالى على الكرامة ولا يستطيع أن يمسح مرارات الدم في ظروف ربما قصيرة على ذلك. فإثيوبيا لا تزال دولة تصنف في خانة العدو في نظر الشعب الإرتري (لا أقصد النظام الرسمي)، قد يقول البعض هذا غير صحيح. لكن لنسأل المواطن في الداخل إجابته دوماً سلبية تجاه إثيوبيا.. فإثيوبيا إذا لم نتطرق على الحرب الدموية (حرب التحرير) يكفي أنها أعلنت حرباً شاملة على كل شبر في إرتريا في الحرب الأخيرة. بينما الخلاف كان على منطقة حدودية حسب إدعاء الطرفان، مما يدل أنها لا تزال تكن العداء المزمن للشعب الإرتري، والنتيجة كانت حربا مدمرة حصدت كل أحلامنا في العيش بسلام. ولا نختلف أن حكومتنا هي سبب مآسينا في هذه الفترة وتلك، لكن لا يعني ذلك أن نركن بكل عقولنا لعدو لا يهمه سوى الاستفادة لنفسه وتنفيذ استراتيجية تحتوي الآخر. وكم كنتُ أتمنى عقد ذلك المؤتمر في السودان، لما يملكه من عمق تاريخي وقاعدة شعبية كانت لتساعد على إنجاح ما يُتفق عليه.. حينها لما وجد النظام في أسمرا أسباب تعرية التحالف من لباسه الوطني أمام الشعب الإرتري في الداخل.

إذاً المعارضة لا تزال تتبنى خيار الشعارات دون العمل على تحقيقها، والمعارضة لا يزال همها تبادل المناصب اكثر منه تخليص هذا الشعب من جحيم الحروب والمجاعات. فأين بنا أن ننظر وننتظر؟!.. إلى الحكومة التي اختارت طريق تطويق الشعب بالظلم والإرهاب، أم إلى معارضة لا تتعدى خطواتها أديس أبابا والخرطوم؟، وكلماتها الأنيقة في شكر السودان على إطعام الشعب الإرتري من الجوع وإلباسه من العراء؟! حتى أصبح الاعلام السوداني يستهزئ من شعب يطلب من يطعمه ويكسيه وذلك بشهادة من هم البديل المنتظر لحكم إرتريا، فأين الدبلماسية عندما يتحدث من يمثل المعارضة عن الشعب الإرتري؟ . يبدو لي أنّ الوضع لا يزال معقداً وأنّ نهاية أفورقي ليست بالسهولة التي يتمناها ويتوقعها رواد المعارضة الإرترية، خاصة بعد إن تم تدوير الوضع الإرتري على المستوى الإقليمي، ودخلت فيه حسابات الربح والخسارة لبعض الدول بعيداً عن مصلحة الشعب الإرتري وخيار وحدته ووطنه.

فاليمن والسودان وإثيوبيا دولاً قررت أن تحاصر حكومة أسمرا من جوانب عدة، سواء كانت اقتصادية وديبلوماسية أو لربما التلويح بقوة عسكرية إذا لزم الأمر، ووسط هذه الحقول يوجد الشعب الإرتري لا غيره يكتوي بنار كل تلك التصرفات. لكن من زاوية أن تأثير ما أقدمت عليه هذه الدول لا يؤثر كثيراً على أفورقي، لأن المنطقة تعيش على متناقضات كثيرة، ومن أبرزها كان استغلال حكومة أسمرا واستثمارها ورقة مصر، مما يعني أن العمل المضاد هو السائد في المنطقة، فمصر ترى في إثيوبيا مهدد رئيسي لأمنها القومي بورقة المياه، وأن أي طرف يزعج إثيوبيا تجد فيه مصر عدو عدوك صديقك في الحد الأدنى. أما السودان وفي ظل مفاوضاته مع الحركة الشعبية لتحرير السودان والبوادر التي في الأفق بإبرام اتفاق ربما يقضي بانفصال جنوب السودان، فإن ذلك لمصر مهدد حقيقي تحسب له ألف حساب، ما أشعرها أن الخرطوم لا تعير لها أدنى اهتمام فيما يحدث. أما اليمن فهناك عدم رضا من جانب مصر تجاه تصريحات يرددها الرئيس اليمني بتقصير الجامعة العربية وعدم فتح الدول العربية المجاورة حدودها لمحاربة إسرائيل، إضافة إلى تقدم اليمن بمرشحه لمنصب أمين عام الجامعة العربية بدل عمرو موسى ومن ثم سحبه بعد اعتراض مصر على ذلك وأموراً أخرى. إضافة إلى علاقة حكومة أسمرا الجيدة مع الحكومة الصومالية وبعض الفصائل مما يزعج ذلك إثيوبيا وكذلك جيبوتي. هذا ربما من الجانب الاستراتيجي وتبادل الأدوار في المنطقة، أما الجانب الاقتصادي فأن واردات إرتريا تعتمد على الأسواق الخليجية مثل السعودية والإمارات وعُمان، ولا يؤثر عليها كثيراً حصار الدول الثلاث. إذاً أن كل الدول الثلاث ورابعها إرتريا خاسرة وسط هذا التناور الذي يؤخر من تقدم المنطقة، وكان في متناول الدول الثلاث تعاملاً ربما أفضل غير الحصار الذي يلحق الضرر بالشعب الإرتري دون أن يؤثر على حكومة أفورقي كثيراً، كما يحدث ذلك في العراق، ويترك أحقاداً بين شعوب يربطها التاريخ والمصالح المشتركة، حتى لو قللنا من ذلك فإن فهم السياسة كما يجب لا يزال أمراً متخلفاً لدى شعوب المنطقة، وأعني التعاطي معها فيما يحدث.

نقطة هنا أن النظام في أسمرا ليس بنفس الضعف الذي ينقله الإعلام، بل لا يزال قوياً، مما يجعل العمل النضالي ضده أكثر صعوبة، ويحتاج إلى تكثيف الجهود وليس انتظار ما تسفر عنه الأيام. وإلاّ فإن انتظار مكوك فضائي يقوم بنثر قواد المعارضة في العاصمة أسمرا دون عناء سفر وتحمل صعاب هو البديل المنتظر!!.